أسرار صدق التوكل على الله: كيف تكتفي بالخالق عن الخلق؟

# أسرار صدق التوكل على الله: رحلة القلب من ضيق الخلق إلى سعة الخالق

إن المتأمل في أحوال السالكين إلى الله تعالى، يجد أن أعظم منازل العبودية وأجلّها قدراً هي منزلة التوكل على الله. فهي الوقود الذي يحرك العبد في سيرِه، والحصن الذي يأوي إليه عند الفتن، والباب الأعظم الذي يُفتح منه كل خير. ولكن، ما هو جوهر هذا التوكل؟ وكيف نصل إلى درجته الصادقة التي تجعل العبد يرى فعل الله في كل سكون وحركة؟

لقد سطر لنا السلف الصالح كلمات هي بمثابة مفاتيح للقلوب، توضح لنا كيف يكون المرء متوكلاً حقاً، وكيف يفرغ قلبه مما سوى الله ليملأه بالثقة واليقين.

مفهوم صدق التوكل في مدرسة الإمام أحمد

حين نأتي لنتحدث عن إمام أهل السنة والجماعة، الإمام أحمد بن حنبل (أبي عبدالله)، فنحن نتحدث عن جبل من جبال الإيمان والزهد. لقد قيل لأبي عبدالله يوماً: “أي شيء صدق التوكُّل على الله؟”.

هذا السؤال ليس سؤالاً عن تعريف لغوي، بل هو سؤال عن تجربة روحية عميقة. فأجاب الإمام أحمد بجواب يختصر مسافات السير إلى الله، قال: “أن يتوكل على الله ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء، فإن كان كذلك كان الله يرزقه وكان متوكّلاً”.

تحليل رؤية الإمام أحمد لصدق التوكل

في هذا النص العظيم، يضع الإمام أحمد يده على العلة التي تمنع الكثيرين من تذوق حلاوة التوكل، وهي “الطمع في الآدميين”. إن صدق التوكل لا يتحقق طالما بقي في زوايا القلب خيط رفيع يربط العبد بغير الله، أو أمل باهت في أن بشراً ما يملك له نفعاً أو ضراً.

1. تجريد القلب من الالتفات: التوكل الصادق يبدأ حين ينقطع رجاء العبد من الخلق تماماً. ليس المقصود هنا ترك الأسباب، بل المقصود هو “فراغ القلب”. أن تتحرك الجوارح في طلب الرزق، ولكن القلب ساكن في حضرة الله، لا يلتفت يميناً ولا شمالاً طمعاً في عطاء بشر.
2. نفي الطمع في الإجابة من البشر: يقول الإمام: “ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أن يجيبه بشيء”. هذه هي قمة الحرية الإنسانية. أن تتحرر من ذل الطمع في الناس، ومن انتظار كلمة “نعم” منهم. حين يوقن العبد أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فإنه لن يطمع في إجابة إلا من الله.
3. الجزاء الإلهي: يختم الإمام أحمد قوله ببيان الثمرة: “فإن كان كذلك كان الله يرزقه وكان متوكّلاً”. هنا نجد الربط بين صدق التوكل وضمان الرزق. الله عز وجل يتكفل بمن انقطع إليه، ويفتح له أبواباً لا تخطر له على بال، لأن العبد قد حقق شرط العبودية الأول وهو الاعتماد الكلي على الخالق.

صفات الأولياء عند يحيى بن معاذ

وإذا ما انتقلنا إلى درة أخرى من درر السلف، نجد يحيى بن معاذ يضع لنا ميزاناً دقيقاً لصفات الأولياء، وهي صفات تنبع في أصلها من صدق التوكل على الله. يقول يحيى بن معاذ: “ثلاث خصال من صفة الأولياء: الثقة بالله في كل شيء، والغنى به عن كل شيء، والرجوع إليه من كل شيء”.

هذه الخصال الثلاث هي أركان السكينة، وقواعد الطمأنينة التي يبحث عنها كل مؤمن يريد أن يسلك طريق الصالحين.

الخصلة الأولى: الثقة بالله في كل شيء

الثقة بالله هي روح التوكل. أن تثق بالله في رزقك، في صحتك، في مستقبلك، وفي أدق تفاصيل حياتك.

  • في الرخاء: تكون واثقاً أن هذا الفضل من الله، فتستعمله في طاعته.
  • في الشدة: تكون واثقاً أن الله لا يقضي لك إلا الخير، وأن وراء المحنة منحة.
  • في الغيب: تكون واثقاً أن ما عند الله خير وأبقى، مما تراه عيناك وتلمسه يداك.
  • الثقة بالله تعني أنك لا تضطرب إذا تأخرت الأماني، ولا تيأس إذا سُدت الأبواب، لأنك تثق في حكمة المدبر سبحانه وتعالى.

    الخصلة الثانية: الغنى بالله عن كل شيء

    هذا هو الغنى الحقيقي الذي لا يزول بزوال الدنيا. أن يكون الله في قلبك أكبر من كل مفقود، وأعز من كل موجود.

  • الغنى بالله يعني أنك لا تشعر بالفقر لو فقدت مالك، لأن غناك في ربك.
  • الغنى بالله يعني أنك لا تشعر بالوحشة لو ابتعد الناس عنك، لأنك تأنس بالله.
  • الغنى بالله هو كفاية روحية تجعل العبد ملكاً في ثوب زاهد، يرى الدنيا كلها في يده لا في قلبه.
  • حين يصل العبد إلى هذه المرتبة، يتحقق فيه قول يحيى بن معاذ، فيصبح غنياً بالله عن كل شيء، فلا يذل نفسه لمخلوق، ولا ينحني لعاصفة من عواصف الحياة.

    الخصلة الثالثة: الرجوع إليه من كل شيء

    هذه الخصلة هي دليل المحبة وصدق الالتجاء. أن يكون الله هو المبتدأ والمنتهى.

  • إذا أصابتك نعمة، رجعت إليه بالشكر.
  • إذا أصابتك نقمة، رجعت إليه بالصبر والدعاء.
  • إذا وقعت في ذنب، رجعت إليه بالاستغفار.
  • إذا التبست عليك الأمور، رجعت إليه بالاستخارة والطلب.

الرجوع إلى الله من كل شيء يعني أن الخيط الذي يربطك بالسماء لا ينقطع أبداً، وأنك في كل شأن من شؤون حياتك، ترى أن المرجع والمآل هو الله وحده.

كيف نحقق صدق التوكل في واقعنا المعاصر؟

إن استحضار ما ورد في كتاب “من أخبار السلف” (ص ١٣٧-١٣٨) حول صدق التوكل، يفرض علينا مراجعة واقعنا. نحن نعيش في عصر كثرت فيه الأسباب المادية، وتعقدت فيه سبل الحياة، مما قد يجعل القلب يميل إلى الاعتماد على الوظيفة، أو المال، أو الواسطة، أو الأشخاص.

ولتحقيق ما قاله الإمام أحمد ويحيى بن معاذ، علينا اتباع الخطوات التالية:

أولاً: تصفية القلب من الشرك الخفي

يجب أن نفتش في قلوبنا: هل نحن نعتمد على الأسباب لذاتها؟ أم نعتمد على مسبب الأسباب؟ إن صدق التوكل يقتضي أن ترى السبب مجرد أداة، وأن المسبب هو الله. فإذا ذهب السبب، بقي يقينك بالله ثابتاً لا يتزعزع.

ثانياً: التدرب على الاستغناء عن الخلق

حاول أن تطلب حاجاتك من الله أولاً قبل أن تطلبها من البشر. عوّد نفسك على دعاء الله في كل صغيرة وكبيرة. حين تفرغ يدك من الخلق، وتتوجه بقلب خالص للخالق، ستجد أن الله يسخر لك القلوب والظروف لخدمتك، كما قال الإمام أحمد: “كان الله يرزقه وكان متوكلاً”.

ثالثاً: تحقيق الثقة المطلقة

الثقة بالله لا تأتي إلا بمعرفته. كلما عرفت الله بصفاته، وعرفت كمال قدرته وعظيم رحمته، زادت ثقتك به. اقرأ في أسماء الله الحسنى، وتأمل في أثرها في الكون، لتصل إلى مرتبة “الثقة بالله في كل شيء”.

الخاتمة: التوكل هو طريق الأولياء

إن ما ذكره يحيى بن معاذ عن صفات الأولياء ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل هو منهاج حياة. الثقة، والغنى، والرجوع إلى الله؛ هي الثلاثية التي تصنع المؤمن القوي الذي لا يهتز.

لقد علمنا الإمام أحمد أن صدق التوكل هو “حرية القلب” من رق الآدميين. فمن أراد أن يرزقه الله من حيث لا يحتسب، ومن أراد أن يسكن في حصن الله الحصين، فعليه أن يطرد من قلبه كل طمع في بشر، وأن يجعل وجهته واحدة، وربه واحداً، وهمه واحداً.

نسأل الله أن يرزقنا صدق التوكل عليه، وأن يجعلنا ممن يثقون به في كل شيء، ويستغنون به عن كل شيء، ويرجعون إليه من كل شيء. إن هذا الطريق هو طريق النجاة، وهو السبيل لفتح أبواب الرزق والسكينة في الدنيا والآخرة.

_______________________________
*مستفاد من: “من أخبار السلف” ص(١٣٧-١٣٨).*

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *