مقدمة: سحر البدايات في خيوط الفجر
في كل يوم، ومع انسلال أولى خيوط الضياء من رحم الظلام، يتجلى سرٌّ عظيم من أسرار الحياة، سرٌّ لا يدركه إلا أولئك الذين استيقظت أرواحهم قبل أجسادهم. إن نسيم الفجر ليس مجرد هواء بارد يلامس الوجوه، بل هو ريحٌ طيبة تحمل في طياتها انشراحاً للنفس وسروراً للروح. هو الوقت الذي تنزل فيه السكينة، وتوزع فيه الأرزاق المعنوية والمادية، وفيه البشارة العظمى بالنور التام يوم القيامة لأولئك الذين هجروا مضاجعهم، وساروا في حلكة الليل، يهتدون بنور ربهم، فمن هداه الله فلا ضلال يدركه أبداً.
إن الفجر ليس مجرد توقيت زمني، بل هو اختبارٌ يومي للصدق، ومقياسٌ دقيق لقوة الإرادة، ومحطة إيمانية يتزود منها المؤمن بطاقة الروح التي تعينه على مكابدة الحياة ومشاقها.
أصحاب العزائم: صراع الفراش والوضوء
حين يغط العالم في سبات عميق، وتستسلم الأجساد لسلطان النوم، تبرز فئةٌ من الناس، هم أصحاب العزائم الماضية والإرادة القوية. هؤلاء لم تمنعهم الفُرُشُ الوثيرة، ولا الغرف الدافئة، ولا لذة الكرى من الاستجابة لنداء “الصلاة خير من النوم”. لقد أدركوا أن الراحة الحقيقية ليست في الدعة، بل في الوقوف بين يدي ملك الملوك.
يخرجون في ذلك الوقت الباكر البارد، يواجهون قسوة الشتاء أو مشقة النهوض؛ ليسبغوا الوضوء على المكاره، طاعةً وحبّاً. إنهم يستشعرون عظمة الموقف، فيتطهرون ظاهراً بالماء، وباطناً بالتوبة والإنابة، ليقفوا في المحراب يشهدون قرآن الفجر. يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78].
وهذا الشهود ليس شهوداً عادياً، بل هو شهودٌ تزدان به السماء، حيث تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار لتشهد هذه الصلاة وتلك القراءة، فترفع أسماء المصلين في سجلات الشرف العلوي.
الانسجام الكوني وتسبيح الكائنات
في وقت الفجر، يعيش المؤمن حالة من الانسجام التام مع هذا الكون الفسيح. فبينما يصدح لسان المؤمن بالتكبير والتحميد، تكون ذرات الوجود كلها في حالة تسبيح بديع لخالقها. إن الكون لا يصمت، بل يسبح بلغة قد لا نفقهها، ولكننا نشعر بأثرها في سكينة الصباح. يقول الله عز وجل: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44].
هنا، وفي هذه اللحظات النورانية، تسمو روحك في عالم السمو العلوي، وتنفض عنها غبار التراب الدوني. إنك في الفجر تخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الملكوت، ومن الانشغال بالخلق إلى الأنس بالخالق. ولكن، هذا الطريق ليس مفروشاً بالورود، بل هو طريق الصفوة.
لولا المشقة: ضريبة السيادة والشرف
إن نيل الدرجات العالية يقتضي بذل الجهد، فلا يُنال الشرف بالراحة، ولا تُدرك الجنة بالتمني. وصدق الشاعر حين قال:
*لولا المشقةُ ساد الناس كلهم *** الجودُ يُفقر والإقدام قتَّالُ*
إن صلاة الفجر هي مفرق الطرق بين الهمم العالية والنفوس الراضية بالدون. يقول الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]. هؤلاء القليل هم الذين استطاعوا كسر قيد النوم، وتجاوزوا سطوة النفس التي تميل بطبعها إلى الراحة والدعة. فالنوم له سلطان غلاب، والنفس لها سطوة قوية، فهي تتبع الهوى وتستثقل كل طاعة لا نصيب لها فيها من حظوظ الدنيا.
فمن اتكل على نفسه خذلته وأوردته المهالك، فهي تحبب إليه السهر في غير طاعة، وتغرقه في المباحات حتى تستهلك وقته وجهده، وتمنيه بالأماني الكاذبة حتى يقع في حبائلها، فيصبح يستثقل النهوض بالواجبات، ويجد في الصلاة عبئاً ثقيلاً. قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45].
صلاة الفجر: براءة من النفاق وعلامة الإيمان
إقامة صلاة الفجر في جماعة مع المسلمين ليست مجرد شعيرة، بل هي شهادة صدق وبراءة من النفاق. فقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ثقل هذه الصلاة على من في قلبه مرض. يقول الله تعالى في وصف المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142].
أما المؤمن صادق الإيمان، فإنه يرى في صلاة الفجر موعداً مع المحبوب، فيأتي إليها مسرعاً ولو حبوًا. لقد كان سلفنا الصالح يضربون أروع الأمثلة في ذلك؛ فكان الرجل يُهادى بين الرجلين (أي يُحمل مستنداً عليهما) حتى يُقام في الصف، لعلمه بفضل الصلاة وعظمة الصف الأول. لم يتركوا للنفس مجالاً للتسويف أو الخمول، حتى في حالات العذر والضعف البدني، لأن قلوبهم كانت معلقة بالمساجد. قال تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37].
وكما قيل في وصف هذه الهمم العالية:
*وإذا كانت النفوس كباراً *** تَعِبتْ في مرادها الأجسام*
بركات البكور: أين تذهب الأرزاق؟
خيوط الفجر ليست مجرد ضياء، بل هي قنوات تتدفق منها البركة. لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بقوله: “اللهم بارك لأمتي في بكورها”. هذه البركة شاملة وجامعة لكل جوانب الحياة:
1. بركة في المال: حيث تتفتح أبواب الرزق ويسعى الإنسان في طلب معاشه في وقت النشاط.
2. بركة في الصحة: فالاستيقاظ المبكر واستنشاق هواء الفجر النقي يمنح الجسد حيوية وقوة.
3. بركة في العلم: فالفجر هو وقت الصفاء الذهني والقدرة العالية على الحفظ والفهم.
4. بركة في العمل: فما أُنجز في أول النهار لا يوازيه ما يُنجز في آخره من حيث الجودة والإتقان.
5. بركة في الروح: وهي أعظمها، حيث يشعر المصلي بصلة بالله ترافقه طوال يومه.
ويا أسفاً على المحروم الذي فقد خيوط الفجر، ونام عن فريضة الله، وحرم نفسه من هذا الفيض الرباني. إن الذي ينام عن الفجر يفوته قطار النجاح الحقيقي، ويبدأ يومه بكسل وضيق صدر، لأنه قطع صلته بمصدر النور والبركة في أول النهار.
خاتمة: نداء إلى كل غافل
إن صلاة الفجر هي بوابة الفلاح، وعنوان السعادة، وطريق النجاة. فاجعل لنفسك نصيباً من خيوط الفجر، ولا ترضَ بأن تكون من الغافلين. جاهد نفسك، واستعن بالله، وتذكر أن الركعتين اللتين تركعهما في جوف الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها. فهل بعد هذا الفضل فضل؟ وهل بعد هذا الشرف شرف؟
اجعل من فجرك انطلاقة جديدة، وعاهد ربك على أن تكون من “المشائين في الظلم”، لتنال النور التام والبركة الواسعة في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً