# أسرار كلمة الصيام: رحلة بين بلاغة اللغة وجلال الشريعة
إن المتأمل في لغة العرب، يجد أنها وعاءٌ شريفٌ اختاره الله عز وجل ليكون حاملاً لرسالته الخاتمة، ولعل كلمة “الصيام” من أكثر الكلمات التي تحمل في طياتها تدرجاً دلالياً عجيباً، يربط بين الصبر المادي والارتقاء الروحي. إن الصيام ليس مجرد انقطاع عن الطعام والشراب، بل هو فلسفة إمساكٍ تتجلى في أدق تفاصيل الحياة العربية القديمة وصولاً إلى أسمى غايات العبادة الإسلامية.
أولاً: الصيام في مرآة لغة العرب (صبرٌ وجلد)
في أصلها اللغوي، استُعملت كلمة “الصيام” لوصف حالة من الانضباط الشديد والامتناع الاختياري أو القسري. لقد كان العرب قديماً يطلقون لفظ الصيام على الخيول والإبل حين تُمْنَع عن الطعام والشراب في أوقات محددة؛ لا تعذيباً لها، بل تربيةً لنفسها على الصبر، وإعداداً لها لمواجهة الطوارئ والشدائد في ساحات الوغى أو في رحلات القفار.
بلاغة الشعراء في وصف صيام الخيل
لقد خلد الشعراء هذا المعنى في دواوينهم، فها هو النابغة الذبياني يصف مشهداً مهيباً للخيول في المعركة، مفرقاً بين خيلٍ صائمة (ممتنعة عن الحركة أو العلف) وأخرى تضطرب، فيقول:
*خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ … تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما*
وهنا يظهر الصيام كحالة من الثبات والوقوف المهيب وسط غبار المعركة. ويؤكد هذا المعنى الأعشى الكبير في وصفه لثبات الخيل وصبرها رغم الجوع والتعب:
*وقوفاً بها كان من لأمةٍ … وهنَّ صيامٌ يلُكْنَ اللُّجَم*
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استمر الشعراء في استعارة هذا اللفظ للتعبير عن فضل الخيل وقوتها، كما قال بشر بن أبي خازم:
*وما تسعى رجالهم ولكن … فضولُ الخيل مُلجَمَةٌ صيام*
وكذلك المزرد أخو الشمَّاخ الذي وصف جواده في حالة صومه وكأنه بناءٌ شامخ أو سيدٌ ماثل، للدلالة على الهيبة والوقار التي يضفيها الصيام حتى على الحيوان:
*تقول إذا أبصرتَه وهو صائمٌ … خِباءٌ على نشزٍ أو السِّيدُ ماثل*
ثانياً: الصيام الإنساني بين الحاجة والنذر
انتقلت الدلالة اللغوية من عالم الدواب إلى عالم البشر، لتعبر عن الامتناع الناجم عن العوز أو الامتناع التعبدي قبل الإسلام. فقد استخدم حسان بن ثابت الأنصاري لفظ “الصيام” (بصيغة الجمع “صُيَّم”) لوصف القدور التي خلت من الطعام بسبب المحل والجدب، في صورة بيانية مؤثرة تصف شدة الجوع بـ “صيام القدور”:
*إذا اغبرَّ آفاق السماء وأمحلـــتْ … كأنَّ عليها ثوبَ عصب مسهَّمــا*
*حسبتُ قدورَ الصاد حول بيوتنا … قنابل دُهمًا في المحلة صُيَّمـــا*
أما في سياق النذر والالتزام الشخصي، فقد ذكر العجاج كيف كان الناذر ينذر الصوم عن الطعام والعلل (أي العيوب أو التعلل بالأعذار)، مما يشير إلى أن فكرة “الصوم” كفعل إرادي كانت مستقرة في الوجدان العربي:
*إذ نَذَرَ الناذرُ نذرَ المُجذَل … صومًا عن الطعام والعلل*
ثالثاً: المعنى الاصطلاحي والتعبدي في الشعر القديم
لم يغب المعنى الديني للصيام عن مخيلة الشعراء، حتى في سياقات الغزل أو الوصف. فقد أشار امرؤ القيس إلى الراهب الذي يتعبد بالصيام والابتهال، مما يدل على أن الصيام كان شعيرة معروفة عند أهل الكتاب ومعترفاً بها كفعل تقرب إلى الله:
*لها مقلةٌ لو أنها نظرتْ بهــــا … إلى راهبٍ قد صام لله وابتهـــــلْ*
*لأصبح مفتوناً معنًّى بحبِّهـا … كأنْ لم يصم لله يوماً ولم يصـــلّ*
وفي سياق آخر، يأتي الصيام بمعنى الطاعة المطلقة والانقياد، كما في قول الطرماح الذي قرن بين الصلاة والصيام وبين الخضوع والاستسلام للسيوف، في إشارة إلى أن الصيام هو قمة الانقياد:
*وحتى استقادتْ قيسُ عيلانَ عنوةً … وصامتْ تميمٌ للسيوف وصلَّتِ*
رابعاً: صيام الزمان والمكان (سكون الكون)
توسعت العرب في استخدام الكلمة لتشمل ظواهر الطبيعة؛ فعبارة “صيام النهار” كانت تطلق للتعبير عن وقت الظهيرة حين تشتد الحرارة وتبلغ الشمس كبد السماء، فتهدأ الحركة وكأن النهار قد “صام” عن السير. يقول امرؤ القيس:
*فدع ذا وسلِّ الهم عنك بجسرة … ذمولٍ إذا صام النهار وهجـــرا*
ويؤكد الأعشى الكبير هذا المعنى بوصفه لليوم حين “يصوم”، أي حين تبلغ حرارته ذروتها وتتوقف الأنفاس:
*وتغتال النسوعَ بجوزِ قرْمٍ … مُواشِكةَ إذا ما اليومُ صاما*
بل إن العرب أطلقوا الصيام على الجماد الساكن، مثل القدور الراكدة على النار، كما قال زيد الفوارس بن حصين:
*وراكدةٍ عندي طويلٍ صيامُها … قسمتُ على ضوءٍ من النار مُبصِر*
وكذلك وصف العجاج الأثافي (الأحجار التي توضع عليها القدر) بأنها “صُيَّم” لثباتها في مكانها:
*غيرَ ثلاثٍ في المحلِّ صُيَّمِ … روائمٌ أو هنَّ مثل الرُوَّم*
وحتى حمر الوحش (القُمُر) وصفها النعمان بن بشير الأنصاري بالصيام حين تقف ساكنة في القيعان:
*ترى القُمرَ بالقيعان جئنَ بُنانَه … أبابيلَ ينسفنَ الجميمَ وصُيَّمــــا*
خامساً: الصيام في القرآن الكريم (الارتقاء من اللغة إلى الروح)
جاء القرآن الكريم ليرفع هذه الكلمة من دلالاتها المادية (الإمساك، الثبات، السكون) إلى آفاق روحية وتشريعية سامية. فصيام المسلم ليس مجرد تدريب كالخيل، ولا هو سكون كالأحجار، بل هو “عملية روحية” تهدف إلى تحقيق التقوى.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:
> {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 183 – 185].
تأملات في الآيات الكريمة:
1. الغاية هي التقوى: لم يقل الله “لعلكم تجوعون”، بل قال {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}؛ فالصيام مدرسة لتهذيب النفس والسيطرة على الشهوات.
2. الاستمرارية التاريخية: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} تؤكد أن الصيام شعيرة عالمية عرفتها البشرية بمختلف أديانها لتطهير الأرواح.
3. رحمة التشريع: شددت الآيات على أن الإسلام دين يسر {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، فشرع الرخص للمريض والمسافر، مما يدل على أن الصيام لم يُكتب لإيذاء الجسد بل لإحياء الروح.
4. الارتباط بالقرآن: جعل الله شهر رمضان ظرفاً زمانياً للصيام لأنه الشهر الذي نزل فيه القرآن، ليكون الصيام تهيئة للنفس البشرية لاستقبال أنوار الوحي.
خاتمة: الصيام مدرسة الصبر واليسر
إن تحقيق كلمة “الصيام” يأخذنا في رحلة من صحراء العرب وخيولهم الصابرة، إلى محاريب العباد المتبتلين، وصولاً إلى أنوار القرآن الكريم. لقد حول الإسلام “الصيام” من مجرد إمساك مادي عن الطعام إلى عبادة شاملة تمسك فيها الجوارح عن الآثام، والقلوب عن الأغيار.
إنه نداءٌ رباني للمؤمنين ليرتقوا فوق رغباتهم المادية، مدركين أن هذا الدين العظيم ما جاء إلا باليسر والرحمة، وأن كل لحظة صيام هي خطوة نحو شكر الله على هدايته وتوفيقه. فليكن صيامنا تحقيقاً لمعناه اللغوي في الصبر والثبات، وتحقيقاً لمعناه الشرعي في التقوى والإخلاص.
***
المراجع:
- القرآن الكريم.
- دواوين الشعراء (الأعشى، الطرماح، العجاج، النابغة الذبياني، امرؤ القيس، حسان بن ثابت، والنعمان بن بشير).
- شرح ديوان الحماسة والمفضليات.

اترك تعليقاً