# أسرار وعظمة آية الكرسي: رحلة إيمانية في أعماق أعظم آية في كتاب الله
إن القرآن الكريم هو مأدبة الله في أرضه، وهو حبل الله المتين ونوره المبين، إلا أن في هذا الكتاب العظيم آياتٍ خصها الله بمكانة سامقة، وجعل لها من الهيبة والجلال ما يحير العقول ويبهر القلوب. ومن بين هذه الآيات العظيمة، تبرز آية الكرسي كدرةٍ فريدة في عقد التنزيل، فهي الآية التي وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها “أعظم آية في كتاب الله”.
في هذا المقال، سنبحر معاً في رحلة تدبرية لنستكشف مكامن العظمة في هذه الآية، ونقف على أسرار كلماتها وجملها التي رسمت معالم التوحيد الخالص، وبينت جلال الخالق وعجز المخلوق.
فضل آية الكرسي في السنة النبوية
قبل أن نلج إلى معاني الآية، يجدر بنا أن نتأمل في الجائزة الكبرى التي رتبها الشارع الحكيم لمن لازم هذه الآية. فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آيةَ الكُرسيِّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ لم يحُلْ بينه وبين دخولِ الجنَّةِ إلَّا الموتُ» (المصدر: السلسلة الصحيحة رقم [972]).
تأمل يا أخي المؤمن في هذا الفضل العظيم! عملٌ يسير لا يستغرق دقيقة واحدة بعد كل صلاة مكتوبة، يجعلك على أعتاب الجنة، ليس بينك وبينها إلا أن تفارق هذه الروح جسدها. إن هذا الحث النبوي ليس مجرد ثواب، بل هو توجيه لربط قلب المسلم بالمعاني الوجودية العميقة التي تضمنتها هذه الآية.
وقفات تدبرية في جمل آية العظمة
لقد اشتملت آية الكرسي على عشر جمل مستقلة، كل جملة منها تمثل قاعدة من قواعد الإيمان، وركناً من أركان التوحيد. دعونا نفصل في هذه المعاني بقلب حاضر ونفسٍ خاشعة.
1. {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}
تبدأ الآية بإثبات الألوهية المطلقة لله وحده. إنها كلمة التوحيد التي قامت بها السماوات والأرض. ومعنى هذه الجملة أن الله بعظمته وكبريائه هو المعبود وحده بحق، فلا يستحق أحد من الخلق، ملكاً كان أو نبياً أو ولياً، أن يُصرف له شيء من العبادة سواه. هو المتفرد بالخلق، والمتفرد بالتدبير، ولذلك وجب أن يكون المتفرد بالخضوع والذل والمحبة والتعظيم.
2. {الْحَيُّ الْقَيُّومُ}
هذان الاسمان من أسماء الله الحسنى يمثلان كمال الصفات وكمال الأفعال.
- الحي: هو الذي له الحياة الكاملة التامة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال. حياة لا يعتريها نقص، ومنها اشتقت كل حياة في الوجود.
- القيوم: هو القائم بنفسه، الغني عن خلقه، وهو الذي قام بجميع الموجودات. فلا قيام للسماوات ولا للأرض ولا للبشر ولا للشجر إلا بإقامة الله لها. هو المدبر لشؤون خلقه، الرقيب على كل نفس بما كسبت.
- ما بين أيديهم: ما يستقبلونه من أمور المستقبل والغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
- ما خلفهم: ما مضى من تاريخ الأمم، وما أسره العباد في أنفسهم، وما فعلوه في خلواتهم.
- العلي: هو الذي له العلو المطلق؛ علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر. هو فوق كل شيء، ولا شيء فوقه.
- العظيم: هو الذي جاوزت عظمته حدود الإدراك، فلا منتهى لعظمته في أسمائه وصفاته وأفعاله.
3. {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ}
هنا نجد تنزيهاً لله عز وجل عن صفات النقص البشري. “السنة” هي النعاس الذي يسبق النوم، و”النوم” هو الاستغراق المعروف. الإنسان ينام لضعفه، ولحاجة جسده للراحة، ولتجديد طاقته. أما رب العزة، فمن كمال حياته وقيوميته أنه لا يغفل ولا ينام. ولو نام الخالق سبحانه لحظة واحدة لاختل نظام الكون واضطربت الأفلاك. إنه الرقيب الذي لا يغفل عن ذرة في ملكه.
4. {لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}
هذا هو إعلان الملكية المطلقة. كل ما تراه عينك وما لا تراه، من ملكوت السماوات الشاسعة وما فيها من ملائكة وكواكب، ومن الأرض وما فيها من بحار وجبال وأمم، الكل ملك لله خلقاً وعبيداً. لا يخرج كائن عن دائرة ملكه، ولا يتصرف أحد في هذا الكون إلا في ملك الله وبإذن الله.
5. {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ}
في هذه الجملة بيان لعظمة سلطانه وهيبته. الشفاعة هي الوساطة، وفي الدنيا قد يشفع المقربون عند الملوك بغير إذنهم لمكانتهم، أما عند الله، فلا يجرؤ أحد، مهما بلغت منزلته، أن يتكلم أو يشفع لأحد إلا بعد أن يأذن الله له. وهذا يقطع الطريق على من يعلقون آمالهم بغير الله. نعم، هناك شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهناك شفاعة للصالحين، ولكنها كلها مشروطة بإذن الله الرضا عن المشفوع له.
6. {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}
هذا هو العلم الإلهي المحيط.
إن علم الله لا يحده زمان ولا مكان. لقد نبأنا القرآن عن قصص الأنبياء السابقين بدقة مذهلة، كما أخبر بوقائع مستقبلية حدثت كما هي، ولا يزال العلم يكتشف يوماً بعد يوم صدق ما جاء في هذا الكتاب العظيم.
7. {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}
هنا ندرك حجمنا الحقيقي كبشر. إن كل التقدم التكنولوجي، وكل العلوم والفيزياء والطب، ليست إلا قطرة من بحر علم الله الذي سمح للبشر باكتشافه. الإنسان لا يعلم إلا ما علمه الله، ولا يفتح الله باباً من العلم إلا في الوقت الذي يريده وبالقدر الذي يريده. وهذا يدعو الإنسان للتواضع، فكلما زاد علماً، زاد إدراكاً بجهله أمام علم الخالق.
8. {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}
انتقل السياق هنا لوصف عظمة خلق الله ليدلنا على عظمة الخالق. الكرسي هو موضع القدمين (كما جاء في بعض الآثار عن السلف)، وهو غير العرش الذي هو أعظم المخلوقات. ومع ذلك، فإن هذا الكرسي من اتساعه وعظمته يحيط بالسماوات السبع والأرضين السبع. إذا كان هذا هو حال الكرسي، فكيف بعظمة العرش؟ وكيف بعظمة من استوى على العرش؟ إن العقل البشري يقف عاجزاً عن تخيل هذه الأبعاد الكونية الهائلة.
9. {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا}
أي لا يثقله ولا يشق عليه حفظ هذه السماوات والأرض وما فيهما. نحن البشر نملُّ من الحراسة، ونتعب من التدبير، ونعجز عن الإحاطة بالأشياء الصغيرة. أما الله سبحانه، فإن حفظ الأكوان بمجراتها وثقوبها السوداء وذراتها المتناهية في الصغر، لا يسبب له أي تعب أو عناء. إنه القوي المتين الذي يمسك السماوات والأرض أن تزولا.
10. {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ}
تختتم الآية بهذين الاسمين العظيمين كخلاصة لكل ما سبق.
كيف نعيش بآية الكرسي؟
إن قراءة آية الكرسي لا ينبغي أن تكون مجرد ترديد باللسان، بل يجب أن تتحول إلى منهج حياة. عندما تقرأ “الحي القيوم”، استشعر أن الله يدبر أمرك، فلا تقلق على رزقك. وعندما تقرأ “يعلم ما بين أيديهم”، استشعر مراقبة الله لك في سرك وعلنك. وعندما تقرأ “ولا يئوده حفظهما”، اطمئن بأن الذي يحفظ الكون قادر على حفظك وحفظ أهلك ومالك.
إن المداومة على هذه الآية في الصباح والمساء، وعند النوم، وبعد الصلوات، هي حصن حصين للمسلم من الشيطان، وطمأنينة للقلب من وساوس الدنيا، وتذكير دائم بأننا نعيش في كنف إله عظيم، علي، قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
خاتمة:
آية الكرسي هي رحلة في رحاب التوحيد، وهي تذكرة لكل غافل بمدى افتقارنا إلى الله ومدى غناه عنا. فاجعلها رفيقة دربك، ووردك الدائم، وتأمل في معانيها كلما قرأتها، لتجد أثرها نوراً في قلبك، وبركة في حياتك، وطريقاً ممهداً إلى جنات النعيم.

اترك تعليقاً