أفتانٌ أنت؟ دليل المسلم لتجنب تنفير الناس من الدين

# أفتانٌ أنت؟ تأملات في تجنب الفتنة والرفق بالخلق

إن المتأمل في سنن الله الكونية يجد أن الابتلاء والتمحيص جزء لا يتجزأ من رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا. لقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون البشر في احتكاك دائم، تتصادم في طياته الأخلاق، وتنكشف فيه معادن النفوس. ومن أعظم ما يُبتلى به المرء هو أن يكون هو نفسه أداة لفتنة غيره، أو سبباً في صده عن سبيل الله، سواء بقصد أو بغير قصد.

الفتنة: سنة إلهية وحقيقة واقعة

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} (الفرقان: 20). هذه الآية العظيمة تلخص واقعاً بشرياً لا مفر منه؛ فالغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني، والصحيح فتنة للمريض، والجاهل فتنة للعالم. إنها شبكة من الاختبارات المتبادلة التي تهدف إلى قياس مدى الصبر والالتزام بمنهج الله.

لكن، وعلى الرغم من أن الفتنة سنة جارية، إلا أن المسلم منهي أشد النهي عن أن يجعل من نفسه وسلوكه وتصرفاته فتنة للآخرين. الفتنة هنا ليست مجرد اضطراب سياسي أو فكري، بل هي كل فعل أو قول يؤدي بغيرك إلى كراهية الحق، أو التنفير من العبادة، أو الضيق بحدود الشرع. إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه العبد هو أن يكون “حاجزاً” بين الخلق وخالقهم بسبب سوء خلقه أو غلظة طبعه.

“أفتانٌ أنت يا معاذ؟”: درس نبوي في الرفق

تتجلى خطورة هذا الأمر في الموقف الشهير الذي رواه لنا التاريخ الإسلامي عن الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه. فعندما أطال معاذ في صلاة الجماعة إطالة لم يطقها أحد المأمومين، مما دفع ذلك الرجل للانفصال عن الجماعة والصلاة منفرداً، لم يأتِ التوجيه النبوي بملامة الرجل الذي ترك الجماعة، بل توجه العتاب الشديد إلى معاذ رضي الله عنه.

لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مستنكراً ومحذراً: “أفتانٌ أنت يا معاذ؟”. إن هذا التساؤل النبوي يزلزل الوجدان؛ فمعاذ هو من هو في علمه وفضله، ومع ذلك وُصف فعله بالفتنة لأنه شق على الناس في عبادة هي قرة عين المؤمنين. الفتنة هنا هي التشدد في غير موضعه، وعدم مراعاة أحوال الضعفاء وذوي الحاجات من المأمومين. إن هذا الدرس يؤصل لقاعدة ذهبية: “الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”.

التشدد والتفريط: وجهان لعملة الفتنة

إن الفتنة المقصودة في الرواية النبوية لا تقتصر على الصلاة فحسب، بل تمتد لتشمل كل سلوك يتسم بالتشدد وعدم الرفق. إن كل غلو في الدين، وكل إعنات للناس بما لم يكلفهم الله به، هو نوع من الفتنة التي تنفر القلوب.

وفي المقابل، هناك نوع آخر من الفتنة لا يقل خطورة، وهو “التفريط”. فعندما يقوم الشخص، وخاصة إذا كان في موضع قدوة أو تصدر، بالتفريط في حقوق الله الواضحة، فإنه يفتن الناس في دينهم؛ إذ يظنون أن هذا التفريط هو المنهج الصحيح، أو يتجرؤون على محارم الله استناداً إلى فعله. فالمسلم المتوازن هو الذي يسير بين جناحي الرفق والالتزام، فلا هو بالمتشدد المنفر، ولا هو بالمفرط المميع للحقائق.

القسوة على الضعفاء: فتنة القلوب الكسيرة

من أقبح أنواع الفتن التي قد يقع فيها المرء هي القسوة على الضعفاء والانتقاص من كرامتهم. والضعف هنا مفهوم واسع يشمل:
1. ضعف السن: كالصغير الذي يقع تحت ولاية الأبوين أو المعلمين، فإذا قوبل بالقسوة والغلظة، فتن في فطرته وفي نظرته للعدل والرحمة.
2. ضعف الحاجة: كالفقير الذي يحتاج إلى المال أو الجاه، فإذا قوبل بالاستعلاء والمنّ والأذى، فتن في يقينه بالله وفي نظرته للمجتمع المسلم.
3. ضعف العلم: كالجهل الذي يفتقر إلى المعرفة، فبدلاً من أن يُعلم برفق، يُقابل بالاستهزاء والتسفيه، مما يجعله ينفر من مجالس العلم والعلماء.

إن كل هؤلاء في موضع ضعف يحتاج إلى رحمة مهداة، فإذا تحولت الرحمة إلى قسوة، أصبح القاسي فتنة لهؤلاء الضعفاء، وصاداً لهم عن الخير.

المجاهرة بالمعصية وإشاعة الفاحشة

وعلى صعيد السلوك الاجتماعي، يبرز نوع من أسوأ أنواع الفتن، وهو الجهر بالمعصية ووصم الآخرين بالتأخر لمجرد تمسكهم بالقيم. إن محاولة إشاعة الفاحشة أو تزيين المنكر في عيون الناس هي فتنة كبرى تضرب أركان المجتمع.

لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الصنف تحذيراً شديداً، فقال: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ» (صحيح البخاري). إن المجاهر لا يكتفي بارتكاب الذنب، بل يفتن غيره بتسهيل وقوعهم فيه، ويكسر حاجز الهيبة من معصية الله في قلوب الناشئة. إنها فتنة تهدف إلى قلب الموازين، حيث يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

سوء النصح وجلد الذات

من الفتن الدقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي “سوء النصح”. فعندما يلجأ إليك شخص مكروب أو صاحب مشكلة طلباً للنصيحة المخلصة، فتقوم بجلده معنوياً، ونسب الخطأ إليه بصورة قاسية، وتذكيره بعيوبه في وقت يحتاج فيه إلى المواساة والتوجيه، فإنك بذلك تفتنه.

إن الشورى غير المخلصة، أو النصيحة التي تفتقر إلى الرفق، وصفت بأنها نوع من الغش للمسلم. بل إن الفتنة العظمى هي ممارسة الضغط والقهر النفسي على الناس حتى يصلوا إلى مرحلة اليأس من روح الله، أو يسيئوا الظن بالله عز وجل وهو الرحمن الرحيم. إن الداعية والمربي والناصح يجب أن يكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر، لا سياطاً تُسلط على ظهور المخطئين.

خاتمة: كيف ننجو من أن نكون فتنة؟

إن أنواع الفتن كثيرة لا يمكن حصرها في سطور، ولكنها باختصار تنم عن خلق ليس من خلق الإسلام في شيء. إن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وجاء ليكون رحمة للعالمين. فكل قول أو فعل يخرج عن إطار الرحمة والرفق والصدق، فهو مرشح لأن يكون فتنة.

إن الواجب على المسلم أن يراقب سلوكه، ويسأل نفسه دائماً قبل أي فعل: هل قولي هذا سيقرب الناس إلى الله أم سيبعدهم؟ هل تصرفي هذا سيمثل الإسلام بصورته النقية أم سيشوهها في أعين الناظرين؟

ختاماً، نرفع أكف الضراعة إلى الله العلي القدير، أن يحفظنا من مضلات الفتن، وأن يعصمنا من الزلل. نعوذ بالله أن نكون من أهل الفتن، لا فاتنين بجهلنا وتشددنا، ولا مفتونين بضعفنا وتفريطنا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، واجعلنا مباركين أينما كنا، وارزقنا الرفق في القول والعمل، إنك سميع مجيب الدعاء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *