مقدمة: الشكر جوهر العبودية ونصف الإيمان
إن المتأمل في حقيقة الدين الإسلامي يجد أن مدار الطاعة والعبادة يرتكز على أصلين عظيمين، هما الصبر والشكر. فالحياة بين منحة ومحنة، وبين نعمة وبلية، ولا يستقيم حال العبد المسلم في سيره إلى الله تعالى إلا بجناحي الصبر على البلاء والشكر على العطاء. ومن هنا قرر علماء الأمة أن الإيمان نصفان: نصفٌ شكر ونصفٌ صبر؛ فالشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو مقام إيماني رفيع، وحال قلبية تترجمها الجوارح إلى طاعات وقربات.
لقد جعل الله تعالى الشكر غاية الغايات، ومنتهى أمل العابدين، فبه تُستجلب النعم، وبه تُدفع النقم، وهو الحارس الأمين الذي يحفظ للعبد ما وهبه الله من فضله. وفي هذا المقال، سنبحر في رحاب هذه العبادة العظيمة، مستلهمين من آيات الكتاب الحكيم وهدي النبي الكريم ﷺ أسرار الشكر وكيفية التحقق به.
الأمر الإلهي بالشكر والتحذير من ضده
لم يترك الله سبحانه وتعالى عباده هملاً، بل أرشدهم إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم، فكان الأمر بالشكر صريحاً ومكرراً في محكم التنزيل. يقول الله تبارك وتعالى: {واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة:172]. في هذه الآية، ربط الخالق سبحانه بين حقيقة العبادة وبين فعل الشكر، فكأن من لا يشكر الله لم يحقق كمال العبودية له.
ولم يكتفِ الوحي بالأمر بالشكر، بل نهى عن ضده وهو الكفر بالنعمة أو جحودها، فقال سبحانه: {واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152]. إن هذا التقابل بين الشكر والكفر يوضح خطورة الغفلة عن المنعم سبحانه؛ فالشكر اعتراف بالفضل، والكفر تغطية للنعمة ونسبتها لغير أهلها. ومن هنا، كان الشكر سمة الأنبياء، بينما كان الجحود سمة الطغاة والمستكبرين.
صفوة الخلق.. قلةٌ هم الشاكرون
حين نقرأ القرآن الكريم، نجد لفتة ربانية تستوجب الوقوف طويلاً؛ وهي أن الشاكرين الحقيقيين هم فئة قليلة ومصطفاة من بين العالمين. قال سبحانه وتعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ:13]. إن هذه القلة لا تعني الدونية، بل تدل على الرفعة والاصطفاء؛ فأن تكون من الشاكرين يعني أنك أصبحت من خواص الله تعالى الذين عرفوا قدر النعمة، وعرفوا المنعم، فاشتغلت قلوبهم بحبه وألسنتهم بذكره وجوارحهم بطاعته.
إن ندرة الشاكرين في كل زمان ومكان تعود إلى انغماس الكثيرين في النعمة ونسيان المنعم، أو اعتياد النعم حتى يظن المرء أنها حق مكتسب له، بينما يدرك العبد الشكور أن كل نفس يتنفسه هو محض فضل وامتنان من الله رب العالمين.
الحكمة من الخلق: لعلكم تشكرون
لماذا خلقنا الله؟ ولماذا أخرجنا من بطون أمهاتنا وزودنا بالحواس والإدراك؟ الإجابة تأتي جلية في قوله سبحانه: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} [النحل:78].
لقد جعل الله الشكر هو الغاية من منحنا السمع والبصر والعقل؛ فبالسمع نسمع آياته، وبالبصر نتدبر في ملكوته، وبالأفئدة نعقل مراده، وكل ذلك ليقودنا في النهاية إلى مقام الشكر. فالإنسان الذي يستخدم هذه الحواس في غير ما يرضي الله، قد عطل الغاية التي من أجلها وُهب هذه النعم، وأخلّ بميثاق الشكر.
الشكر.. حارس النعم وضمان الزيادة
من أعظم أسرار الشكر أنه سبب مباشر لدوام النعمة وزيادتها. فالله عز وجل وعد الشاكرين بأحسن الجزاء، بل وربط الزيادة بالشكر ربطاً وثيقاً لا ينفك. قال تعالى: {وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران:144]، وقال عز من قائل في آية هي دستور لكل من أراد الغنى والبركة: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم:7].
تأمل في قوله {لأزيدنكم}، تجد أنها مؤكدة بلام القسم والنون المثقلة، مما يبعث الطمأنينة في قلب كل عبد بأن شكره لن يذهب سدى، وأن الله سيفتح له أبواباً من فضله لم تكن في حسبانه. فالشكر هو القيد الذي يقيد النعم الموجودة، والصيد الذي يستجلب النعم المفقودة.
مدرسة الأنبياء في مقام الشكر
لقد ضرب أنبياء الله ورسله أروع الأمثلة في الشكر، فهم القدوة والأسوة. وصف الله خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام بقوله: {إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين * شاكرًا لأنعمه} [النحل: 120،121]. فبالرغم من الابتلاءات العظيمة التي مر بها، ظل إبراهيم عليه السلام شاكراً لله، معترفاً بفضله.
وكذلك كان نوح عليه السلام، الذي وصفه ربه بوصف بليغ حين قال: {إنه كان عبدًا شكورًا} [الإسراء:3]. إن صيغة المبالغة “شكوراً” تدل على كثرة الشكر وتكراره في كل حال، وفي هذا تعليم لنا بأن الشكر يجب أن يكون ديدن المسلم في منشطه ومكرهه.
النموذج الأسمى: “أفلا أكون عبداً شكوراً؟”
إذا كان الأنبياء هم سادة الشاكرين، فإن نبينا محمد ﷺ هو إمامهم وقدوتهم. لقد تجلى شكره لله في أبهى صوره، لا سيما في عبادته وقيامه لليل.
روى البخاري ومسلم في (صحيحيهما) عن المغيرة بن شعبة – رضي الله تعالى عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – صلى حتى انتفخت قدماه، وفي رواية أخرى (تفتطرت قدماه)، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فكان رده النبوي العظيم الذي يكتب بماء الذهب: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»؟!
لقد أنزل الله على نبيه قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطًا مستقيمًا} [الفتح:1]. ومع ذلك، لم يرَ النبي ﷺ في هذه المغفرة مبرراً للراحة أو الفتور، بل رآها نعمة عظمى تستوجب مضاعفة الجهد والاجتهاد في العبادة شُكراً لله تعالى.
وصف حال النبي ﷺ في محراب الشكر
كان النبي ﷺ إذا جنَّ عليه الليل، وخمدت الأصوات، وخلا كل حبيب بحبيبه، هبَّ من فراشه وترك لذة النوم شوقاً لمناجاة ربه جل جلاله. كان يصفُّ قدميه الشريفتين في صلاة طويلة يرتل فيها القرآن ترتيلاً، يتدبر آياته ويبكي من خشية الله.
يقول الله تعالى واصفاً حاله وحال أصحابه: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} [المزمل:20]. لقد كان يقوم أحياناً أكثر الليل، حتى تتورم قدماه ويتحجر الدم فيها من طول القيام والركوع والسجود.
حين رأى الصحابة وأمهات المؤمنين هذا الإجهاد، أشفقوا عليه ورغبوا إليه أن يرفق بنفسه، لكنهم لم يدركوا أن راحته الحقيقية كانت في هذا النصب، وأن لذته الكبرى كانت في تلك المناجاة. لقد قلب النبي ﷺ الموازين؛ فبينما يرى الناس العبادة تكليفاً، رآها ﷺ تشريفاً وشكراً.
الشكر العملي: الجوارح تتحدث
من أعظم الدروس المستفادة من حديث «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، أن الشكر ليس مجرد كلمات نرددها مثل “الحمد لله” أو “الشكر لله”، بل هو منهج حياة وعمل. الشكر الحقيقي يتجلى في:
1. شكر القلب: بالاعتراف بباطن القلب أن كل نعمة هي من الله وحده.
2. شكر اللسان: بالثناء على الله وتحديث الناس بنعمه من باب التحدث بالنعمة لا المفاخرة.
3. شكر الجوارح: باستعمال هذه النعم في طاعة الله، والامتناع عن استخدامها في معصيته.
إن قيام النبي ﷺ حتى تورم قدماه هو الدليل القاطع على أن الشكر يكون بفعل الطاعات. فكلما ازداد العبد طاعة، ازداد شكراً، وكلما ازداد شكراً، زاده الله من فضله.
خاتمة: كيف نتحقق بمقام الشكر؟
إن نعم الله علينا لا تعد ولا تحصى، كما قال سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}. إننا نغرق في بحار من النعم: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية للإسلام، ونعمة الصحة والأمان. وشكر هذه النعم هو الضمان الوحيد لبقائها واستمرارها وتجددها.
فلنجعل من حياة النبي ﷺ نبراساً لنا، ولنسأل أنفسنا عند كل طاعة نقوم بها: هل قمنا بها شُكراً لله؟ إن استشعار نعم الله يجعل العبادة خفيفة على النفس، محببة إلى القلب. فليكن لسان حالنا وحالكم دائماً: “اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”، ولنكن من تلك القلة التي استثناها الله وجعلها من خواصه، لنفوز بجزائه العظيم في الدنيا والآخرة.

اترك تعليقاً