# ألا إن نصر الله قريب: رسالة يقين إلى الأمة المحزونة
إن الناظر في واقع أمتنا الإسلامية اليوم، يرى من الخطوب والمصائب ما يفتت الأكباد، ويستدرُّ العبرات، وينقبض له الصدر ضيقاً وحزناً. هذا الهمُّ الذي يعتري المسلم الغيور هو في حقيقته علامة من علامات الإيمان، ودليلٌ ناصع على صدق الولاء لهذا الدين وأهله. ولكن، قد يبلغ الحزن ببعض النفوس مبلغه، فتغصُّ بالأسى لشدة ما تسمع وترى من نوازل، حتى يساورها طيفٌ من اليأس، أو تظن أن شمس الإسلام قد آذنت بالمغيب، وهذا – لعمري – مزلقٌ خطير، وموطئٌ منكر يبهج الأعداء، ويوهن قوى المؤمنين.
في هذا المقال، نبحر سوياً في أنوار الوحي وسِيَر السلف، لنستلهم معالم الطريق، ونبني صرح اليقين في النفوس، مؤكدين أن الفجر آتٍ لا محالة، وأن العاقبة للمتقين.
أولاً: اليقين بنصر الله وعاقبة المتقين
يجب أن نستقرَّ في سويداء قلوبنا يقيناً لا يتطرق إليه شك، أن الله سبحانه وتعالى هو الناصر لدينه، والمتمُّ لنوره، والمؤيد لعباده المؤمنين. إنها قضية عقدية حُسمت في كتاب الله قبل أن تُحسم في ميادين القتال. يقول الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ} [التوبة: 32].
إن تأخر النصر ليس دليلاً على تخلي الله عن عباده، بل هو جزء من سنة التمحيص والابتلاء، ليتميز الخبيث من الطيب، ويظهر الصادق من الكاذب. يقول عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
حكم تأخير النصر
لماذا يبتلي الله عباده؟ الإجابة في قوله تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [محمد: 4]. إن الله قادر على إهلاك الظالمين بكلمة واحدة، ولكنه أراد أن يستخرج عبودية الصبر والجهاد والتضرع من قلوب المؤمنين.
ثانياً: خطورة ظن السوء بالله والتشاؤم المهلك
إن الظن بأن الباطل قد انتصر انتصاراً نهائياً، أو أن الإسلام سيضمحل ولا تقوم له قائمة، هو من قبيل ظن السوء بالله تعالى. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: “فمن ظن بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده، ويؤيد حزبه، ويعليهم، ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالةً مستقرةً، يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً لا يقوم بعده أبداً، فقد ظن بالله ظن السوء”.
ويؤكد العلامة عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أن حالة الضعف التي يعيشها المسلمون اليوم هي حالة عارضة لها أسبابها، وبالرجوع إلى الكتاب والسنة تزول هذه الأسباب. يقول رحمه الله: “هذا المذهب المهين – مذهب التشاؤم – لا يرتضيه الإسلام؛ بل يحذر منه أشد تحذير، ويبين للناس أن النجاح مأمول، {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}… فليتق الله هؤلاء المتشائمون، وليعلموا أن المسلمين أقرب الأمم إلى النجاح الحقيقي”.
ثالثاً: منهج التفاؤل النبوي في قلب الأزمات
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يترك أصحابه نهباً لليأس أبداً، بل كان يزرع الأمل في أحلك الظروف.
1. موقف خباب بن الأرت: حين اشتد البلاء بمكة، جاء خباب شاكياً، فكان الرد النبوي حازماً ومبشراً في آن واحد: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا اللهَ، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون». لقد نقلهم النبي من ضيق التعذيب إلى سعة اليقين بالمستقبل.
2. بشائر الخندق: بينما كان المسلمون يحفرون الخندق، والعدو قد أحاط بهم من كل جانب، والقلوب قد بلغت الحناجر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب الصخرة ويقول: «الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام… الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح فارس… الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح اليمن».
هذا هو التفاؤل الإيجابي الذي تحتاجه الأمة؛ تفاؤل يشد العضد، ويثبت الأقدام، ويحطم قيود التخاذل.
رابعاً: دروس من التاريخ.. غزو التتار نموذجاً
قد يظن البعض أن ما نمر به اليوم لم يمر به أحد من قبل، ولكن التاريخ يخبرنا بغير ذلك. لقد اجتاح التتار بلاد الإسلام في فاجعة وصفها المؤرخ ابن الأثير بقوله: “فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها، وكنتُ نسياً منسياً”.
لقد قتل التتار الرجال والنساء والأطفال، حتى ألقى الله الرعب في قلوب الناس، فكان التتري الواحد يقتل الجماعة من المسلمين وهم مستسلمون. ومع كل هذا الدمار، ومع ظن الناس أن الإسلام قد انتهى، قيض الله لهذه الأمة من يجدد لها دينها، وانكسر التتار في عين جالوت، وعاد الإسلام أقوى مما كان.
إن أمة الإسلام قد تمرض، ولكنها أبداً لا تموت.
خامساً: الأخذ بالأسباب.. طريق النصر الحقيقي
النصر لا يأتي بمجرد الأماني، ولا بالتفاؤل السلبي القائم على القعود. إنما النصر ثمرة لإيمان عميق يقترن بعمل دؤوب. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
كيف ننصر الله؟
- بإقامة شعائر الدين ظاهرة وباطنة.
- بتطهير القلوب من الغل والحسد واليأس.
- بترك الترف الفكري والاجتماعي، والاستعداد للتضحية.
- بالعودة الصادقة إلى الله وتجديد التوبة.
- قدوة في الصبر: عندما عرض ملك الجبال على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطبق الأخشبيين على أهل مكة الذين آذوه، قال برحمة وبصيرة: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً». لقد كان ينظر إلى أجيال لم تولد بعد.
- قصة الغلام والساحر: ضحى الغلام بنفسه، ولم يرَ إيمان الناس في حياته، ولكن موته كان سبباً في إسلام أمة كاملة.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، وهو المؤيد بالوحي، يأخذ بكل أسباب النصر. في يوم بدر، أعد العدة، وصفَّ الصفوف، ثم انكسر بين يدي ربه يدعوه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني». فجمع بين العمل بالأسباب والتوكل على مسببها.
سادساً: البلاء بوابة الإصلاح والمراجعة
إن من حكم البلاء أن يراجع الإنسان نفسه. فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة. يقول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشُّورى: 30].
إن هذه الشدائد تستحث فينا روح التضرع، وتكشف لنا مواطن الخلل في علاقتنا مع الخالق سبحانه. فإذا رجعنا، رُفع البلاء، وأتى النصر من حيث لا نحتسب.
سابعاً: الصبر الاستراتيجي ونفاذ البصيرة
يجب على المسلم ألا يستعجل الثمار، فربما لا يرى الجيل الحالي النصر بعينه، ولكن يكفيه أن يضع لبنة في بناء التمكين.
خاتمة ودعاء
يا أمتنا الصابرة، إن النصر مدخر للذين لا يرضون بالهون، ولا تنحني رؤوسهم للعواصف. إن الليل مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر، وإن العسر مهما اشتد فإن اليسر يطارده.
اللهم إنك تشاهد حالنا، وتطلع على ضمائرنا، وتعلم ضعفنا وعجزنا. نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تهب لأمتنا نصراً عزيزاً، وفتحاً مبيناً، وعزاً ظاهراً. اللهم اجبر كسرنا، وارحم ضعفنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً