إنّ المتأمل في مقاصد الشريعة الغراء يدرك بيقين أنَّ الأمر الإلهي بالاستمساك بالكتاب العزيز لم يكن مجرد دعوة للتبرك بألفاظه أو الاكتفاء بترتيله في المحاريب، بل هو ميثاقٌ غليظ يقتضي أخذ الكتاب بقوة، والعمل بمحكمه، والاهتداء بنوره في سائر شؤون الحياة. إنَّ القرآن الكريم لم يتنزل ليكون نصاً تاريخياً معزولاً، بل نزل ليكون ينبوعاً دافقاً للهداية، ومنهاجاً متكاملاً لصياغة الحياة، وميزاناً دقيقاً تُعرض عليه الأفهام والأعمال، ويُحتكم إليه في جليل الأمور وحقيرها، سواء على مستوى الفرد في خلوته، أو المجتمع في علاقاته، أو الدولة في سياساتها وتشريعاتها. ومن هنا، فإنَّ المسلم الحق هو ذاك الذي يدرك أنَّ وجوده في هذه الدنيا هو رحلة دائبة بين محطات العلم والعمل؛ فهو يتعلم ليعمل، ويعمل ليبلغ، ويراقب نفسه ومجتمعه في ميزان الحق، متقلباً بين تذكير الغافل واحتساب الأجر، وبين تعزيز أركان الخير وتمكينه في الأرض، والسعي الحثيث لوأد بذور الشر أو تقليل آثارها المدمرة.
محاذير الطريق: التفريط في الواجب واقتراف المحظور
في هذا السياق الإيماني المتصل، يبرز أمام المسلم مفرقان خطيران لا يجوز له بحال من الأحوال أن يقع في شراك أحدهما، إذ يمثل كل منهما انحرافاً عن جادة الصراط المستقيم:
- الأول: التقاعس عن التكاليف الواجبة: إنَّ التهرب من استحقاقات الإيمان، سواء كانت تعلماً لما لا يسع المسلم جهله، أو امتثالاً للأوامر الشرعية، أو قياماً بواجب الدعوة والبلاغ، يمثل إخلالاً بالعقد الإيماني. فالواجب الشرعي إذا تعين على المرء لزمه القيام به على أتم وجه، دون تسويف يقتل الهمم، أو تقصير يفرغ العمل من محتواه. إنَّ الأمانة تقتضي المبادرة والمسارعة، فكل تأخير في القيام بالواجب هو فتح لثغرة قد ينفذ منها الشيطان أو يترسخ عبرها الباطل.
- الثاني: الارتماء في أحضان المحرمات: لا يتوقف حد النهي عند مجرد اجتناب كبائر الذنوب وصغائرها، بل يمتد ليشمل الحذر من ممارسة ما حرم الله أو المساهمة في نشره وتمكينه. إنَّ الإثم في المنظور الإسلامي ليس فعلاً ذاتياً ينتهي بانتهاء ممارسته، بل هو دائرة تتسع لتشمل كل من أعان عليه، أو سوّغه بلسانه وقلمه، أو لزم الصمت الاختياري في المقامات التي تقتضي الجهر بالحق والصدع بالصدق. إنَّ السكوت في موضع البيان هو مشاركة سلبية في ترسيخ الباطل، وهو نوع من التخاذل الذي لا يليق بمن يحمل أمانة الكتاب.
- تلميع الوجوه الكالحة: حيث يُستخدم الخطاب الديني لإضفاء شرعية زائفة على ممارسات جائرة، وتبرير أفعال من يسعون في الأرض فساداً.
- العدوان على حدود الله: من خلال ليّ أعناق النصوص لتتفق مع أهواء النافذين، مما يعد تجاوزاً صريحاً وجسارة على مقام الألوهية والتشريع.
- تمزيق وحدة الصف: والمساهمة في حمل رايات “عميّة” تفرق بين المسلمين على أسس عصبية وجاهلية، مما أضعف شوكة الأمة وجعل بأسها بينها شديداً.
الظاهرة الأولى: ترهل العزائم وفتور الهمم الدعوية
عند تشخيص الواقع المعاصر لكثير من المنتسبين إلى دوائر التدين، تبرز ظاهرة “الفتور والتهاون” كعائق بنيوي يحول دون تحقيق الشهود الحضاري للأمة. هذا الفتور يتجلى في التخلي عن وظيفة البلاغ بشتى صورها؛ من تعليم للجاهل، وتزكية للنفوس، ودعوة لغير المسلمين، واحتساب على المنكرات. إنَّ هذا الانكفاء والقعود لم يكن مجرد غياب فردي، بل كانت له ارتدادات زلزالية على كيان المجتمع المسلم، تمثلت في الآتي:
1. تشويه صورة الدين: حين يغيب الدعاة الربانيون عن الساحة، يُفتح المجال للكذب على الدين ونسبة ما ليس منه إليه.
2. تمدد الباطل واستشراء الظلم: فالباطل لا يقوى بذاته بقدر ما يقوى بضعف أهل الحق وتخاذلهم، مما أدى إلى فشو الجور واختلال موازين العدالة.
3. اضطراب الوعي الجمعي: غياب التوجيه السليم أورث جهلاً مركباً، وجعل الوعي العام يتخبط بين الأفكار الدخيلة والمفاهيم المشوهة، مما زاد من حدة الفرقة والشتات.
4. تصدر أنصاف المتعلمين: وهي النتيجة الأكثر كارثية؛ حيث ارتقى منبر البيان والتبيين من لا يملك أدوات الفهم ولا فقه الواقع، فأفتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا، وأصبح أمر الدين مهوناً في أعين العامة بسبب سوء تقديم هؤلاء له.
الظاهرة الثانية: ارتهان التدين وتوظيفه لخدمة القوى الغاشمة
أما الظاهرة الثانية، وهي الأشد إيلاماً وخطورة، فهي سقوط فئات من المتدينين في فخ التوظيف السياسي والاجتماعي من قبل مؤسسات غاشمة وجهات نافذة لا تضع لمصالح المسلمين ولا لحرمات الدين وزناً. لقد تحول هؤلاء، بوعي أو بغير وعي، إلى أدوات في يد القوى التي لا ترقب في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، وتجلى هذا التوظيف المشين في مسارات عدة:
إنَّ هؤلاء الموظفين لخدمة الباطل قد خسروا الرهان في كل الميادين؛ فلا هم نصروا الإسلام بجوهره، ولا هم جمعوا كلمة المسلمين على الحق، ولا كسروا شوكة الأعداء المتربصين، ولا استطاعوا قمع الباطل الذي استظلوا بظله، فكانوا كمن يحرث في البحر أو يبني قصراً من الرمل.
مسؤولية النخبة المتدينة وعاقبة التولي
إنَّ ترك البيان الواجب في خضم هذه التحولات المتسارعة يعد خذلاناً صريحاً للحق وأهله. فالدعاة وجموع المتدينين ليسوا مجرد أرقام في المجتمع، بل هم جند الإسلام المرابطون على ثغور القيم، وهم الشوكة التي ينبغي أن تُغرس في حلق الباطل، والأداة الفاعلة لقمع الزيف والظلام. إنَّ واجبهم يحتم عليهم رفع راية الحق، وتحكيم الشريعة في السلوك والمنهج، وبث روح الخير والإحسان، وعمارة الأرض بالعدل والبر.
متى ما وهن هؤلاء وتقاعسوا عن دورهم المنوط بهم، أو اختلفوا وتشرذمت جهودهم، أو ركبوا قطار الباطل وساروا في ركابه طلباً لمغنم دنيوي، فإنهم بذلك يفرطون في أعظم أمانة حُملها الإنسان، ويضعون أنفسهم على شفا جرف هارٍ من الخطر العظيم. إنَّ التخلي عن هذه الوظيفة الشريفة والرسالة السامية دون إنابة أو رجوع يفتح الباب أمام سنة إلهية لا تتبدل، وهي سنة الاستبدال. لقد حذر الحق سبحانه وتعالى من مغبة التولي عن نصرة دينه والقيام بحقه، فقال عز وجل في محكم تنزيله: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}. وهذا الوعيد الإلهي هو جرس إنذار لكل من يظن أنَّ الدين قائم به وحده، بل هو تشريف لمن استعمله الله، فإذا قصر العبد استبدله الله بمن هو أطوع لله وأقوم بالحق.
الخاتمة: الفردية في المسؤولية والوضوح في الحجة
لقد قطع الله الأعذار، وأقام الحجة البالغة على العالمين؛ فبين الطريق القويم بوضوح لا لبس فيه، وأوضح العاقبة للمتقين والسالكين لدروب الهدى، كما حذر من سبل الشيطان ومزالق الغواية. وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان رهين عمله وحاملاً لمسؤوليته الفردية أمام الله؛ فالهداية نفعها يعود على صاحبها، والضلال وباله على من اختاره سبيلاً. يقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}.
إنَّ الحاجة اليوم ملحة لعودة صادقة إلى رحاب الكتاب والسنّة، عودة تجعل من التدين قوة دافعة للبناء لا أداة للتبرير، وهمة تنشر الضياء لا فتوراً يورث الانهزام. فاللهم اهدنا سبل السلام، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واستعملنا في طاعتك، واجعلنا من حراس شريعتك، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً