أنطولوجيا الخنس الكنس: الثقوب السوداء ومعجزة التوازن الكوني في القرآن الكريم

مقدمة: ملكوت الله وكتابه المنظور

إنَّ المتأمل في هذا الكون الفسيح، يدرك أنَّ خلف هذا الوجود المحكم صانعاً حكيماً، قدَّر كلَّ شيءٍ تقديراً. فالكون ليس مجرد مادة صماء تتحرك في فراغ، بل هو منظومة متناغمة تنطق بآيات التوحيد وعظمة الخالق سبحانه وتعالى. ومن أعجب ما استوقف العقل البشري والعلماء في العصر الحديث هو ظاهرة “الثقوب السوداء”، تلك الأجرام السماوية ذات الجاذبية الهائلة التي لا يفلت منها شيء، حتى الضوء نفسه. ولكنَّ المتدبر في كتاب الله يجد أنَّ القرآن الكريم قد سبق العلم بقرون في وصف هذه الكيانات الغامضة بأدق الأوصاف اللغوية والحسية في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) [التكوير: 15-16]. إنَّ هذه الآية ليست مجرد قسم إلهي، بل هي بوابة لفهم أنطولوجيا الوجود وآليات الحفظ الإلهي للتوازن الكوني.

تفكيك الدلالة اللغوية والشرعية لـ “الخنس الكنس”

في لسان العرب، تأتي كلمة “الخُنَّس” من الفعل “خنس”، وهو الاختفاء والاستتار بعد الظهور. ومنه قيل للشيطان “الخناس” لأنه يختفي عند ذكر الله. أما “الكنس” فهي جمع “كانس”، من الفعل “كنس”، وهو الذي يكنس الشيء ويزيله، أو يجمع ما حوله ويخبئه في مكانه، كالغزال الذي يأوي إلى كناسه. وفي التفسير المأثور، ذهب كثير من المفسرين الأوائل -رضي الله عنهم- إلى أنها النجوم التي تختفي نهاراً وتظهر ليلاً، أو الكواكب التي تخنس في سيرها. ومع تقدم العلم وتراكم المعارف الكونية، تجلى وجه جديد للإعجاز في هذه الكلمات الثلاث:

  • الخُنَّس: هي الأجرام التي تختفي تماماً فلا تُرى، وهو وصف دقيق للثقوب السوداء التي لا ينبعث منها ضوء.
  • الجوارِ: أي التي تجري في مدارات محددة بسرعة هائلة، وهو ما تفعله هذه الأجرام في مراكز المجرات.
  • الكنس: هي التي تكنس وتجذب كل ما يقترب من أفق حدثها، فتمتص المادة والغازات والنجوم وتطهر الفضاء منها.

فيزياء الثقوب السوداء: عندما تلتقي المادة بالعدم

تعد الثقوب السوداء مرحلة من مراحل تطور النجوم العملاقة، حيث تنهار على نفسها تحت تأثير جاذبيتها الخاصة بعد نفاد وقودها النووي. هذا الانهيار يخلق منطقة ذات كثافة لا متناهية تُعرف بـ “التفرد” (Singularity). من الناحية الفيزيائية، يمثل الثقب الأسود أقصى درجات انحناء الزمكان، حيث يتوقف الزمن كما نعرفه وتتحطم قوانين الفيزياء التقليدية. إنَّ ربط القرآن بين صفة “الخنس” وصفة “الكنس” يمثل قمة الدقة العلمية؛ فالاختفاء ناتج عن الجاذبية المطلقة التي تمنع حتى الضوء من الهروب، وهذا الجذب الهائل هو نفسه الذي يجعلها “مكنسة” كونية عملاقة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ الخلْقَ حتى إذا فرغَ منهم قامتِ الرَّحمُ…”، وفي روايات أخرى تتحدث عن عظمة العرش والكرسي، فإذا كان هذا حال المخلوقات، فكيف بمن خلقها؟ إنَّ الثقوب السوداء هي تجلٍ لقوة الله القهرية في الكون، وهي تذكرنا دائماً بقوله تعالى: (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [الحج: 65].

أثر الجاذبية العظمى في صيانة التوازن الكوني

قد يتساءل البعض: لماذا خلق الله هذه الأجرام المدمرة؟ وهنا تكمن الحكمة الإلهية في “أنطولوجيا التوازن”. فالثقوب السوداء ليست مجرد ثقوب للفناء، بل هي محركات أساسية لاستقرار المجرات. فالثقوب السوداء الهائلة (Supermassive Black Holes) التي تقبع في مراكز المجرات، ومنها مجرتنا “درب التبانة”، تعمل كمرساة جاذبية تحافظ على تماسك النجوم في مداراتها. لولا وجود هذا “الخناس الكنس” في المركز، لتشتتت النجوم في الفضاء الكوني ولما نشأت المنظومات الكوكبية المستقرة.

إنها تقوم بعملية “إعادة تدوير” كونية؛ حيث تبتلع المادة القديمة وتطلق طاقة هائلة تؤثر في ولادة نجوم جديدة. هذا التوازن الدقيق بين الفناء والبقاء هو ما قصده الله تعالى بقوله: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [الرحمن: 7]. فالميزان هنا ليس معنوياً فقط، بل هو ميزان مادي يتمثل في قوى الجاذبية والطرد المركزي، حيث تلعب “الخنس الكنس” دور الضابط لهذا الإيقاع الكوني.

الخنس الكنس كآية على اليوم الآخر

إنَّ دراسة فيزياء الثقوب السوداء تعزز الإيمان باليوم الآخر. فإذا كان العلم يثبت اليوم أنَّ النجوم يمكن أن تنكدر (تظلم) وتنهار على نفسها، فإنَّ هذا يصدق قوله تعالى في مطلع سورة التكوير: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ). فعملية التكوير والانكدار هي مقدمات علمية لما يحدث في نهاية عمر النجوم وتحولها إلى ثقوب سوداء أو أقزام بيضاء. إنَّ وجود هذه الأجرام هو رسالة ربانية صامتة تخبرنا أنَّ هذا الكون الذي يبدو أبدياً، له بداية وله نهاية محتومة، وأنَّ القادر على طي السماء هو الذي بدأ خلقها، كما قال سبحانه: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء: 104].

الخاتمة: وقفة تأمل وافتقار

في ختام هذه الدراسة الأنطولوجية، نجد أنَّ القرآن الكريم لا يكتفي بإعطائنا معلومات علمية، بل يهدف إلى إحداث أثر روحي في النفوس. إنَّ “الخنس الكنس” هي جنود من جنود الله، تعمل بصمت في أعماق الفضاء لتؤمن لنا بيئة كونية مستقرة. فسبحان من خلق فأبدع، وسبحان من أخفى في طيات الغيب أسراراً لا ندرك منها إلا القليل. إنَّ واجبنا كمسلمين اليوم هو الجمع بين “القراءة في كتاب الله المسطور” (القرآن) و”القراءة في كتابه المنظور” (الكون)، لنصل إلى يقين لا يتزعزع بأنَّ هذا الدين هو الحق من عند الله.

نسأل الله العلي العظيم أن يفتح لنا أبواب العلم والحكمة، وأن يجعلنا ممن يتفكرون في خلق السماوات والأرض قائلين: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *