إطعام الطعام في رمضان: بوابتك للجنة ودليل الجود النبوي

# إطعام الطعام في رمضان: شعيرة المتقين وبوابة الجنان

الحمد لله الذي جعل الجود من شيم الأبرار، ورفع قدر من أطعم الطعام وسدَّ عوز المحتاجين من عباده الأخيار، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

مع إشراقة شمس شهر رمضان المبارك، تتوق النفوس المؤمنة إلى نيل الرضوان، وتتسابق القلوب في مضمار الإحسان، ولعل من أجلِّ القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه في هذا الشهر الكريم هي شعيرة “إطعام الطعام”. إنها تلك الخصلة التي جعلها الإسلام عنواناً للإيمان، وشعاراً للمتقين، وسبباً رئيساً لدخول جنات النعيم بسلام.

إطعام الطعام: أصلٌ متجذر في دعوة الإسلام

لقد كان إطعام الجوعى وسد حاجة المحتاجين من أوائل الشعائر التي نادى بها الإسلام في مطلع العهد المكي والمدني على حد سواء. ففي صدر الإسلام، حين جاء عمرو بن عبسة رضي الله عنه يسأل النبي ﷺ عن ماهية هذا الدين الجديد، أجابه النبي ﷺ بكلمات جامعة مانعة ترسم معالم هذا الدين العظيم. يقول عمرو بن عبسة: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، من معك على هذا الأمر؟ قال: «حر وعبد» قلت: ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطعام»).

هذا التأصيل النبوي يوضح أن إطعام الطعام ليس مجرد عمل خيري عابر، بل هو ركن ركين في بناء الشخصية المسلمة، ويسنده من حيث المعنى أحاديث شريفة أخرى كقوله ﷺ: (يمكنكم من الجنة، إطعام الطعام، يا بني عبد المطلب، أطعموا الطعام وأطيبوا الكلام).

وحين وطئت قدما النبي ﷺ أرض المدينة المنورة، كان أول خطاب وجهه للناس يرتكز على هذه القيمة الإنسانية والشرعية الرفيعة. يروي عبد الله بن سلام رضي الله عنه تلك اللحظات التاريخية قائلاً: (لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَله، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله، قدم رسول الله، ثلاثاً، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»).

صفات الأبرار في محكم التنزيل

لقد خلد القرآن الكريم ذكر الذين يطعمون الطعام، وجعل فعلهم هذا دليلاً على إخلاصهم وخوفهم من مقام ربهم. يقول الله تعالى في وصف عباده الأبرار: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8-9]. تأمل في قوله تعالى {عَلَى حُبِّهِ}، أي أنهم يطعمون الطعام في حال حاجتهم إليه ومحبتهم له، ومع ذلك يؤثرون غيرهم على أنفسهم ابتغاء مرضاة الله.

وفي سورة البلد، يحثنا المولى سبحانه على مجاهدة النفس والشيطان عبر اقتحام “العقبة”، وهي الطريق الوعرة التي تفصل العبد عن الجنة، ولا تُقطع إلا بأعمال البر الشاقة على النفس الشحيحة، يقول سبحانه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11-16].

ويوضح الإمام مقاتل رحمه الله هذا المعنى بقوله: (هذا مثل ضربه الله؛ يريد أن المعتق رقبة، والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه، مثل من يتكلف صعود العقبة). فإطعام الطعام في أيام المجاعة والشدة (ذي مسغبة) هو البرهان الساطع على صدق الإيمان وتجاوز عقبات الشح والحرص.

التحذير من ترك الإطعام وعاقبته

على النقيض تماماً، جاء الوعيد الشديد للذين غلظت قلوبهم عن رحمة الفقراء. ففي وصف أهل النار، ذكر القرآن الكريم أن من أسباب عذابهم عدم الحض على إطعام المسكين: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الحاقة: 33-34].

ويعلق العلامة السعدي رحمه الله على هذه الآية مبيناً أن مدار السعادة يقوم على أمرين: الإخلاص للخالق (الإيمان)، والإحسان للخلق (إطعام الطعام). فمن فقد الإخلاص والإحسان استحق الخسران المبين، لأن دفع ضرورة المحتاجين هو من أعظم وجوه الإحسان.

فضائل نبوية في إطعام الطعام

تضافرت الأحاديث النبوية في بيان فضل هذه الشعيرة، ومنها:

1. من أحب الأعمال إلى الله: سُئل النبي ﷺ: أي العمل أفضل؟ فقال: «أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً». وفي حديث آخر: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً».
2. خيار الأمة هم المطعمون: يروي صهيب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «خياركم من أطعم الطعام». وكان هذا الحديث هو الدافع لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة للإكثار من إطعام الطعام حتى قيل عنهم أن فيهم سرفاً، وما هو بسرف بل هو متاجرة مع الله.
3. سبب لرفعة الدرجات: جعل النبي ﷺ إطعام الطعام من المنجيات ومن موجبات الدرجات العلى، فقال في حديث ابن عمر رضي الله عنه: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات… وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام).

لماذا يتضاعف فضل الإطعام في رمضان؟

إذا كان إطعام الطعام فضيلة في كل وقت، فإنه في رمضان يكتسي حلة من النور والقدسية. يقول الإمام الزهري رحمه الله: (إذا دخل رمضان إنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام). وتتجلى خصوصية الإطعام في هذا الشهر من خلال وجوه عدة:

أولاً: تفطير الصائمين

لقد حث النبي ﷺ على هذه المأثرة العظيمة بقوله: «من فَطَّرَ صائماً كان له مثل أجرِه، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً». فمن أطعم صائماً نال أجر صيامه دون أن ينقص من أجر الصائم شيء، وهذا من واسع فضل الله.

ثانياً: الاقتداء بجود النبي ﷺ

كان النبي ﷺ أجود الناس، ولكن جوده في رمضان كان يفوق الوصف. يصف ابن عباس رضي الله عنهما ذلك بقوله: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان). ويقول ابن رجب الحنبلي إن جوده ﷺ كان يتضاعف لشرف الزمان ومضاعفة الأجر فيه، ولإعانة الصائمين والقائمين على طاعتهم.

ثالثاً: الجمع بين الصيام والصدقة

إن الجمع بين الصيام والصدقة (الإطعام) من أوجب أسباب دخول الجنة. فعن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها»، فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام». وهذه الخصال تجتمع كلها للمؤمن في شهر رمضان.

رابعاً: تكفير الخطايا واتقاء النار

الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وإطعام الطعام في يوم شديد حره هو وقاية من حر يوم النشور. الصائم الذي يترك طعامه لله، ثم يجود به على غيره، هو في منزلة رفيعة من الإيثار والمواساة.

صور من جود السلف في رمضان

لقد فقه السلف الصالح هذه المعاني، فكانت حياتهم في رمضان تجسيداً حياً للكرم. كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وربما رده سائل وهو على طعامه فيقوم ويعطيه نصيبه ويظل صائماً.

وكان الحسن البصري وابن المبارك يطعمان إخوانهما الطعام وهما صائمان، ويقومان على خدمتهم تودداً وإحساناً. ويقول الإمام الشافعي رحمه الله: (أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم).

خاتمة

إن إطعام الطعام في رمضان ليس مجرد سد لرمق جائع، بل هو رسالة حب وتكافل، وتطهير للنفس من الشح، وتقرب إلى رب كريم يحب الرحماء من عباده. فليكن لنا في هذا الشهر نصيب من هذا الفضل، ولنفتح أبواب بيوتنا وقلوبنا للمحتاجين، علّنا نفوز بدعوة صائم أو دمعة يتيم مسحتها لقمة حلال.

اللهم اجعلنا من عبادك الرحماء، وارزقنا الجود والإحسان، وسخرنا لخدمة عبادك، وتقبل منا صالح الأعمال، إنك أنت البر الرحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *