# إفشاء الأسرار في زمن التواصل الاجتماعي: أمانة ضائعة وعقوبة رادعة
الحمد لله الذي جعل السر أمانة، وجعل الصدق والوفاء من شيم أهل الإيمان، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أدبنا فأحسن تأديبنا، وحذرنا من خيانة العهود وهتك الأستار، وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:
إننا نعيش اليوم في عصر انفتحت فيه أبواب التواصل على مصراعيها، وغدا العالم قرية صغيرة بفضل تقنيات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. وبالرغم مما تحمله هذه الوسائل من نفع، إلا أنها أفرزت ظواهر أخلاقية سلبية، بل ومحرمة شرعاً، تتطلب منا وقفة حازمة ومراجعة إيمانية دقيقة. ومن أقبح هذه الظواهر وأشدها خطراً على نسيج المجتمع المسلم: ظاهرة إفشاء الأسرار وتسريب المراسلات الخاصة.
أولاً: حرمة المجالس وخصوصية المجموعات الرقمية
لقد انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة مؤسفة، وهي تسريب الرسائل النصية والبصمات الصوتية من المجموعات الخاصة (الجروبات) دون موافقة أعضائها أو القائمين عليها. وسواء كان هذا الفعل بقصد الإضرار أو عن غير قصد، وسواء كان تلميحاً أو تصريحاً، فإنه يظل فعلاً محرماً شرعاً؛ لأن القاعدة النبوية الراسخة تقول: “المجالس بالأمانة”.
إن هذه المجموعات، وإن كانت افتراضية، هي في حقيقتها مجالس خاصة، لها حرمتها وقدسيتها. فالتنصت على هواتف الناس، أو تصوير المحادثات (Screenshot) لنشرها، أو إعادة توجيه الرسائل الصوتية دون إذن صاحبها، كلها أفعال تدخل في دائرة الخيانة الأخلاقية. إن هذا السلوك المشين لا يتوقف عند حدود الإزعاج، بل هو مزيج من التجسس والنميمة والخيانة، وهي صفات ذميمة تفضي بمرتكبها إلى موارد الهلكة، وتزرع بذور الخصومة والعداوة والبغضاء بين المسلمين، وتمزق وحدة الصف.
ثانياً: مفهوم الأمانة في الحديث والمشاركة
يعتقد البعض واهماً أن المحافظة على سرية الكلام مشروطة بأن يصرح المتحدث بقوله: “هذا سر” أو “لا تخبروا أحداً”. وهذا فهم قاصر؛ فليس من شرط الأمانة التصريح، بل يكفي أن تدل القرائن على خصوصية المجلس. فإذا كان الكلام في مجموعة مغلقة، أو كان الحديث يتناول شؤوناً خاصة، أو كانت طبيعة الكلام توحي بالحساسية، فإن الأمانة تقع هنا تلقائياً.
وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم معياراً دقيقاً في هذا الباب؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة» (رواه الترمذي، وحسنه الشيخ الألباني). فمجرد الالتفات -الذي يدل على الرغبة في الخصوصية- يجعل الحديث أمانة في عنق السامع، فكيف بمن يكتب في مجموعة خاصة لا يدخلها إلا من كان موثوقاً به؟
ثالثاً: عقوبة التجسس واستراق السمع
إن إفشاء الأسرار الرقمية هو صورة معاصرة من صور التجسس المحرم. ومن أخطر ما يقع فيه الناس اليوم هو استراق السمع أو الاطلاع على أسرار قوم وهم كارهون لذلك. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم من يفعل ذلك بعقوبة تقشعر منها الأبدان؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استمع إلى حديث قوم، وهم له كارهون، أو يفرون منه، صُب في أذنه الآنك يوم القيامة» (رواه البخاري).
والآنك هو الرصاص المذاب. تأمل يا أخي المسلم في بشاعة هذه العقوبة؛ رصاص مذاب يصب في الآذان لأنها استرقت ما لم يؤذن لها به. وهذا الحديث دليل قاطع على حرمة نقل كلام الآخرين بغير رضاهم، وتغليظ العقوبة يدل على أن الفعل من كبائر الذنوب.
وقد نهى الله عز وجل عن التجسس بلفظ صريح في كتابه الكريم، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12].
والتجسس يشمل كل محاولة لتتبع عورات الناس في خلواتهم، سواء بالنظر، أو باستراق السمع، أو بالاطلاع على وثائقهم ومكتوباتهم الخاصة دون إذن. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا…» (متفق عليه).
رابعاً: إفشاء الأسرار والوقوع في النميمة المهلكة
إن نقل الكلام من المجموعات الخاصة بقصد الإفساد هو عين النميمة، والنميمة من كبائر الذنوب التي تحرم صاحبها من دخول الجنة ابتداءً. قال تعالى في ذم من يسلك هذا المسلك: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]. والنميمة هي نقل الكلام بين الناس بغرض الإفساد وهتك الأستار.
ولنا في حديث القبرين عبرة وعظة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: «إنهما لَيعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما، فكان لا يستنزه من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (متفق عليه). فاحذر أن يكون هاتفك ويدك سبباً في عذابك في قبرك.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة نمام»، وفي رواية: «قتات» (رواه مسلم). والقتات هو الذي يتسمع على الناس وهم لا يعلمون ثم ينقل كلامهم. وفي مسند الإمام أحمد، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة…».
خامساً: الفضيحة يوم الأشهاد (عاقبة الغدر)
إن الذي يستأمنه الناس على أسرارهم في المجموعات ثم يقوم بتسريبها هو “غادر”. والغدر صفة ذميمة، وعقوبتها ليست في الدنيا فحسب، بل هي فضيحة علنية يوم القيامة. فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الغادر يقوم يوم القيامة ينصب له لواء، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان» (متفق عليه).
تخيل هذا الموقف العصيب؛ حيث ينصب لك لواء (راية) أمام الخلائق كلهم، من الأولين والآخرين، وينادى باسمك واسم أبيك ليعلم الجميع أنك خنت الأمانة وأفشيت السر. إنها مبالغة في العقوبة والتشهير جزاءً وفاقاً لما فعلته من هتك أستار الناس في الدنيا.
الخلاصة والتوجيه الشرعي
إن الحفاظ على سرية الكلام في مجموعات التواصل الاجتماعي ليس مجرد أدب اجتماعي، بل هو واجب شرعي وأمانة يسأل عنها العبد بين يدي الله. إن نقل الكلام دون إذن:
1. خيانة للأمانة ونقض للعهود.
2. تجسس محرم شرعاً.
3. نميمة مفسدة للعلاقات.
4. سبب في تمزيق وحدة المسلمين وتشتيت كلمتهم.
واجبنا العملي:
- على كل مسلم أن يتقي الله ويستشعر مراقبته في كل رسالة يرسلها أو ينقلها.
- يجب الحذر من “خونة المجالس” الذين يسربون المحادثات، ولا يجوز السكوت عنهم بل يجب تحذير القائمين على المجموعات منهم لإخراجهم حمايةً لخصوصية الأعضاء.
- تذكر دائماً أن الكلمة إذا خرجت من فيك أو من لوحة مفاتيحك ملكتك، وإذا حفظتها ملكتها.
نسأل الله تعالى أن يستر عوراتنا، ويؤمن روعاتنا، ويجعلنا من الحافظين للأمانة، الموفين بالعهود، وأن يطهر ألسنتنا وجوارحنا من كل ما يغضبه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بقلم: د. ضياء الدين عبدالله الصالح (بإعادة صياغة وتوسع)

اترك تعليقاً