مقدمة: في رحاب النهايات وفلسفة الزوال
إنَّ المتأمل في ملكوت السماوات والأرض يدرك يقيناً أنَّ هذا الكون، بضجيجه وحركته، لا يسير في خطٍّ ممتدٍّ إلى اللانهاية المادية، بل هو محكومٌ بقانونٍ إلهيٍّ صارمٍ يشي بالنهاية. هذا ما يُعرف في الاصطلاح العلمي بـ “الإنتروبيا” أو التبدد، ولكننا في الرؤية الإسلامية نسميه “نظام الفناء” الذي يسبق البقاء السرمدي. إنَّ “النهاياتِ المَرْسُومة” ليست مجرد أحداثٍ تراجيدية، بل هي ميكانيكا إلهية كبرى تهدف إلى إيقاظ النفس البشرية من سكرة المادية، وإعادتها إلى حظيرة القدس عبر بوابة الترقب الروحي.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 26-27]. إنَّ هذه الآية تمثل القاعدة الكبرى لفك الارتهان بكل ما هو زائل، لتبدأ رحلة البحث عن “الماهية” التي لا تبيد.
أولاً: ميكانيكا أشراط الساعة.. خلخلة النظم المادية
تُعد أشراط الساعة، صغراها وكبراها، بمثابة “إشارات تنبيه” كونية. هي ليست أحداثاً عشوائية، بل هي تفكيكٌ تدريجي لنظامِ الدنيا لفتح آفاق الآخرة. حين أخبرنا النبي ﷺ عن تقارب الزمان، وكثرة الفتن، وتطاول الحفاة العراة في البنيان، لم يكن يصفُ واقعاً اجتماعياً فحسب، بل كان يرسم لنا ملامح “الإنتروبيا الروحية” حيث تضعف القيمة ويقوى المظهر.
في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، قال النبي ﷺ: “بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا”. إنَّ هذا التقلب السريع يعكس حالة التذبذب التي تسبق الانهيار الكبير للمادة، مما يستوجب من المؤمن ثباتاً روحياً يتجاوز حدود الزمن الفيزيائي.
تتجلى ميكانيكا الأشراط في عدة أبعاد:
- البعد الزمني: شعور المؤمن ببركة الوقت أو نزعها، وهو ما يحفزه للاستثمار في “الباقيات الصالحات”.
- البعد الوجودي: إدراك أنَّ المادة في حالة تحلل (إنتروبيا)، وأنَّ التعلق بها هو تعلقٌ بسراب.
- البعد التحذيري: قوله تعالى: (فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) [محمد: 18].
ثانياً: الترقب الروحي وترميم الماهية
إنَّ مفهوم “الترقب الروحي” في الإسلام لا يعني انتظاراً سلبياً قابعاً في زوايا العجز، بل هو حالةٌ من اليقظة الدائمة والترميم المستمر لجوهر الإنسان. الإنسان في الرؤية المادية مجرد رقم في معادلة الإنتاج والاستهلاك، أما في الرؤية الإسلامية، فهو كائنٌ “غريب” يحنُّ إلى وطنه الأول (الجنة).
يقول النبي ﷺ كما في صحيح البخاري: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”. هذا التوجيه النبوي هو المفتاح لترميم الماهية؛ فمن استشعر أنه عابر سبيل، لم يستثمر جهده في تزويق المحطة، بل في إعداد الزاد للرحلة. هذا الترقب يحرر النفس من قبضة “السيرورة المادية” التي تحاول إقناعنا بأنَّ هذه الدنيا هي المنتهى.
الترقب الروحي يفكك القيود عبر:
1. التزهد الإيجابي: وهو عدم ملكية الدنيا للقلب، وإن كانت في اليد. (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: 23].
2. تكثيف العبادة في زمن الهرج: يقول ﷺ: “العبادة في الهرج كهجرة إلي” [رواه مسلم]. هذه الهجرة الروحية هي تفكيكٌ حرفي للارتهان بالواقع المادي المضطرب.
ثالثاً: تفكيك الارتهان للسيرورة المادية
تعمل الحضارة المادية المعاصرة على جعل الإنسان “مرتهناً” للحظة الراهنة، مغيباً عن النهايات. إنها تحاول إلغاء فكرة “الآخرة” من الحسابات اليومية. وهنا يأتي دور العقيدة الإسلامية في أشراط الساعة لتعيد التوازن. إنَّ الإيمان باليوم الآخر هو أعظم أداة لتفكيك عبودية المادة.
عندما ندرك أنَّ الشمس ستكور، وأنَّ الجبال ستسير، وأنَّ النجوم ستنكدر (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ) [التكوير: 1-2]، يسقط في أعيننا تعاظم المادة وجبروتها. هذا الإدراك يؤدي إلى استعادة السيادة الروحية، حيث يصبح الإنسان هو السيد والمادة هي الخادم، وليس العكس.
إنَّ الارتهان للسيرورة المادية يجعل الإنسان قلقاً من فوات “الفرص الدنيوية”، أما المترقب لربه، فإنه يعلم أنَّ الرزق مقسوم، وأنَّ الأجل محتوم، وأنَّ الفوز الحقيقي هو (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [آل عمران: 185].
رابعاً: ممارسة الحضور الإلهي في زمن الغيبة
في ظل “إنتروبيا” القيم والأخلاق التي تسبق الساعة، يصبح الحضور الإلهي في القلب هو الملاذ الوحيد. المؤمن يعيش “فقه النهايات” ليس خوفاً، بل حباً واستعداداً. إنَّ الاستعداد للقاء الله هو الذي يعيد صياغة السلوك اليومي، فيتحول العمل من مجرد كدح مادي إلى عبادة وقربة.
خطوات عملية لترميم الذات في زمن الأشراط:
- دوام الذكر: ليبقى القلب متصلاً بمصدر البقاء لا بمظاهر الفناء.
- العلم الشرعي الرصين: لتمييز الفتن وفهم مآلات الأمور.
- التكافل الاجتماعي: كسر حدة المادية من خلال العطاء والإيثار.
- المحاسبة الدائمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: 18].
خاتمة: الاستشراف الإيماني للمستقبل
إنَّ دراسة ميكانيكا أشراط الساعة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة وجودية لتفكيك الأغلال المادية التي كبلت الروح الإنسانية. إنَّ “إنتروبيا النهايات” تخبرنا أنَّ العالم المادي إلى زوال، وأنَّ الاستثمار الحقيقي هو في تلك النفس التي زكاها صاحبها.
فلنكن ممن جعلوا من ترقب الساعة دافعاً لعمارة الأرض بالعدل، وتزكية النفس بالتقوى، والتحرر من كل قيد يمنعنا من التحليق في آفاق العبودية لله وحده. إنَّ النهاية المرسومة هي في الحقيقة بدايةٌ لحياةٍ لا موت فيها، وسعادةٍ لا شقاء بعدها، لمن أدرك الماهية وفك الارتهان. نسأل الله العظيم أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلنا من المستعدين للقائه بقلوب سليمة.

اترك تعليقاً