دخلت إيران منعطفاً سياسياً وتاريخياً حاسماً بعد مرور أكثر من 20 يوماً على اندلاع موجة من الاحتجاجات التي لم تتوقف عند حدود المطالب المعيشية، بل تجاوزتها لتصيغ مشهداً معقداً تتداخل فيه الأزمات الداخلية مع التجاذبات الإقليمية والدولية. ومع تصاعد نبرة التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن، يبرز السؤال الجوهري: هل تمكن النظام الإيراني من احتواء العاصفة، أم أن ما يحدث هو هدوء يسبق جولات أخرى من التصعيد؟
شرارة البداية: من "بازار طهران" إلى عمق المدن الإيرانية
بدأت التحركات الاحتجاجية في أواخر الشهر الماضي، وكان محركها الأساسي اقتصادياً بامتياز؛ حيث أدى الانهيار المتسارع في قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية، إلى خروج التجار والمواطنين في "البازار الكبير" بالعاصمة طهران.
إلا أن هذه الاحتجاجات سرعان ما اكتسبت زخماً مختلفاً، وتميزت بعدة سمات جعلتها استثنائية:
- الانتشار الجغرافي الواسع: تمددت المظاهرات أفقياً لتشمل أكثر من 100 مدينة إيرانية، بعضها لم يشهد حراكاً سياسياً منذ عقود.
- تحول الشعارات: انتقلت المطالب من "تحسين الوضع المعيشي" إلى شعارات سياسية مباشرة تستهدف هيكلية النظام السياسي.
- مستوى العنف: وُصفت هذه الموجة بأنها الأعنف، حيث تشير تقارير حقوقية (مثل موقع "هارانا") إلى سقوط مئات القتلى، بينهم أطفال وعناصر من قوات الأمن، وسط اتهامات متبادلة حول المسؤولية عن إراقة الدماء.
القراءة الرسمية: احتجاجات مشروعة أم "أجندات خارجية"؟
يرى الجانب الرسمي الإيراني، عبر محلليه ودبلوماسييه، أن هناك فصلاً حاداً بين نوعين من الحراك:
- الحراك المطلبي: وهو الذي اعترف به المرشد الأعلى والحكومة كحركة محقة نابعة من معاناة اقتصادية حقيقية، مؤكدين أن الشرطة حاولت في البداية حماية المتظاهرين.
- أعمال الشغب المنظمة: حيث تؤكد طهران وجود أدلة ووثائق، تشمل اعترافات لموقوفين وأسلحة مصادرة، تشير إلى تورط أجهزة استخبارات أجنبية (أمريكية وإسرائيلية) في تحويل مسار التظاهرات نحو العنف المسلح لزعزعة استقرار البلاد.
رؤية أكاديمية: "حرب الـ 12 يوماً" بوسائل أخرى
في قراءة تحليلية للمشهد، يرى خبراء في العلاقات الدولية أن ما شهدته الشوارع الإيرانية قد يكون امتداداً لصراعات إقليمية سابقة ولكن بأساليب "القوة الناعمة" والاستخباراتية. وثمة مؤشرات سيقت في هذا السياق:
- الصدمة الشعبية: العنف غير المعتاد في الشوارع أصاب الشارع الإيراني بالذهول، مما أدى إلى تراجع الزخم الشعبي خوفاً من الفوضى الشاملة.
- الاختراق الاستخباراتي: برزت ادعاءات حول وجود عناصر مرتبطة بـ "الموساد" وتغطية إعلامية مكثفة تهدف إلى تأجيج الداخل الإيراني.
- نجاح الاحتواء: تشير بعض الآراء إلى أن السلطات نجحت فعلياً في تفكيك التظاهرات المنظمة، مما أدى إلى انحسارها في الوقت الراهن.
غياب القيادة والموقف الأمريكي: فرصة ضائعة أم ذريعة للقمع؟
من وجهة نظر تحليلية غربية، يعاني الحراك الاحتجاري الإيراني من ثغرة جوهرية تتمثل في غياب القيادة الموحدة. هذا الفراغ أدى إلى:
- سيطرة فئة الشباب الغاضب على المشهد دون رؤية سياسية واضحة.
- فتح الباب أمام العنف العشوائي الذي يصعب توجيهه سياسياً ضد النظام.
- منح النظام الإيراني "ذريعة" لاستخدام القوة المفرطة تحت شعار حماية الأمن القومي من التدخل الخارجي.
ويعتقد مراقبون أن التركيز الدولي على "التدخل الخارجي" قد يطمس الأسباب الحقيقية والعميقة التي تدفع الإيرانيين للتظاهر بشكل متكرر، وهي الأزمات الهيكلية في الحوكمة والاقتصاد.
مستقبل المواجهة: هل التفاوض لا يزال ممكناً؟
رغم التوتر الميداني، لا تزال لغة الدبلوماسية حاضرة في الكواليس. ومع ذلك، تصطدم الرغبة في التفاوض بعقبات كبرى:
- عقدة التخصيب: تصر واشنطن على منع إيران من تخصيب اليورانيوم بأي نسبة، وهو ما تعتبره طهران خطاً أحمر وسيادياً لا يمكن التنازل عنه.
- الحاجة المتبادلة للتهدئة: يدرك الطرفان أن المواجهة العسكرية المباشرة ستكون مدمرة، مما يفرض


اترك تعليقاً