تراقب إيران عن كثب جولة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في منطقة الخليج العربي، محملةً بالترقب والقلق الذي يترجمه تحليل دقيق لا يقتصر على التصريحات الرسمية، بل يمتد إلى قراءة ما بين السطور. لا تعتبر طهران هذه الجولة مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل ترى فيها حلقة جديدة في سلسلة إعادة الاصطفاف الإقليمي، وربما اختبارًا مبكرًا لمدى جدية موازين القوى في المفاوضات النووية الجارية.
دبلوماسية استباقية: جولة عراقجي الخليجية
في خطوة استباقية، قام وزير الخارجية الإيراني آنذاك، عباس عراقجي، بزيارة خاطفة إلى كل من السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة قبل انطلاق جولة ترامب. هدفت هذه الزيارة إلى نقل الموقف الإيراني بوضوح بشأن المفاوضات النووية الدائرة في مسقط، في محاولة لتهيئة المناخ الإقليمي وتوضيح الرؤى قبل أي تحركات أمريكية قد تؤثر على مسار هذه المفاوضات.
المفاوضات النووية: مطالب متباينة
تتزامن هذه التحركات مع جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة في سلطنة عُمان. تصر إيران على رفع العقوبات كشرط أساسي للتقدم في برنامجها النووي، بينما تشدد واشنطن على ضرورة اتخاذ طهران خطوات "شفافة ولا رجعة فيها" لضمان الالتزام بأي اتفاق نووي مستقبلي. هذا التباين في المطالب يضع المفاوضات في مسار محفوف بالتحديات.
الأهداف الأميركية: بين الاقتصاد والأمن
يرى الباحث المتخصص في الدراسات الأميركية، علي أكبر داريني، أن جولة ترامب تهدف بشكل أساسي إلى تحقيق مكاسب اقتصادية للولايات المتحدة. ويشير إلى أن:
- جذب الاستثمارات: تسعى واشنطن لجذب استثمارات خليجية لتعزيز الاقتصاد الأميركي والصناعات الوطنية، وتقديم ذلك كإنجاز اقتصادي كبير.
- بيع الأسلحة: تعتبر صفقات بيع الأسلحة وإبرام اتفاقيات أمنية مع دول الخليج من الأهداف المحورية للتحركات الأميركية.
ضغوط أمريكية قبل الزيارة؟
يشير داريني إلى أن التصريحات "المتشددة" الصادرة عن المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، مثل المطالبة بإزالة برنامج التخصيب الإيراني، تهدف إلى الضغط على طهران واختبار مدى صلابتها قبل زيارة ترامب، لكنه يقلل من تأثيرها الفعلي على مسار التفاوض.
الخيار العسكري: هل هو مطروح؟
يؤكد داريني أن التهديد بالخيار العسكري ضد إيران يفتقر للجدوى بسبب التكلفة الباهظة للحرب على الولايات المتحدة، مما يجعله خيارًا غير واقعي على الرغم من التلويح به المتكرر. ويضيف أن واشنطن تواجه خيارين:
- الوصول إلى اتفاق شامل وطويل الأمد: وهو احتمال ضعيف للغاية بسبب عمق الخلافات.
- التوصل إلى اتفاق مؤقت على المدى القريب: وهو خيار أكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة.
علاقات متوازنة: رؤية إقليمية
يختتم داريني بالقول إن الدول العربية في المنطقة "لا ترغب في وضع جميع بيضها في سلة الولايات المتحدة"، وتسعى للحفاظ على علاقة معقولة مع طهران، خاصة وأن هذه البلدان "تحاول منذ عدة سنوات تطوير علاقاتها مع الدول الشرقية بما في ذلك إيران من أجل تنويع خياراتها في السياسة الخارجية".
التركيز على الاقتصاد: الأولويات الأمريكية
من جهته، يرى أستاذ الدراسات الأميركية بجامعة طهران، فؤاد إيزدي، أن "زيارة ترامب إلى المنطقة تركز بشكل أساسي على القضايا الاقتصادية، وفي مقدمتها جذب الاستثمارات وفتح قنوات للتفاعل الاقتصادي، وواشنطن تولي أولوية لحل مشاكلها الاقتصادية الداخلية".
السياسات المعادية: حضور مستمر
يوضح إيزدي أن السياسات الأميركية المعادية لإيران ما زالت قائمة، وستبقى حاضرة في الخطاب السياسي خلال هذه الزيارة، لكنها لم تعد على رأس الأولويات كما في السابق في ظل تركيز الإدارة الأميركية الحالية على الملفات الاقتصادية.
تحسين العلاقات الإقليمية: تقليل الاستغلال الأمريكي
يرى إيزدي أن الفرص التي كانت الولايات المتحدة تستغلها سابقًا لإثارة الخلافات بين دول المنطقة باتت أقل توفرًا، في إشارة إلى تحسن العلاقات بين إيران والسعودية خلال العامين الماضيين، واستمرار العلاقات الجيدة مع قطر، مما قلّل من قدرة واشنطن على استثمار الانقسامات الإقليمية.
التحالفات الأمريكية: رؤية إيرانية
يعتبر الأكاديمي الإيراني أن التحالفات الأميركية ضد طهران "ليست جديدة"، وأن واشنطن لا تزال تسعى لاستغلالها لتحقيق أهدافها في المنطقة، لكن إيران "تحاول عدم منحها فرصة جديدة، لا سيما أن دول المنطقة أصبحت أكثر وعيًا وأقل استعدادًا للانخراط في مخططات تؤدي إلى زعزعة استقرارها".
الخوف من المواجهة العسكرية: هاجس خليجي
يرى إيزدي أن قلق دول الخليج لم يعد مرتبطًا بالتوصل إلى اتفاق نووي، بل بالخوف من اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة، خصوصًا في ظل وجود قواعد أميركية على أراضي هذه الدول، والتي ستكون أهدافًا في حال نشوب حرب.
دعوة للتعاون الإقليمي: رؤية إيرانية
يؤكد إيزدي أن طهران لطالما دعت إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين دول المنطقة، وتؤمن بأن أمنها يمكن أن يُدار من داخلها دون الحاجة إلى وجود أجنبي، مضيفًا أن "على قادة المنطقة أن ينبهوا واشنطن إلى خطورة السماح للتيار الداعم للحرب والمتحالف مع إسرائيل بفرض سياساته، لأن أي حرب جديدة ستكون مكلفة جدًا لأميركا وللمنطقة على حد سواء".


اترك تعليقاً