احتجاجات المزارعين في باريس: الجرارات تحاصر برج إيفل رفضاً لاتفاقية “ميركوسور” التاريخية

احتجاجات المزارعين في باريس: الجرارات تحاصر برج إيفل رفضاً لاتفاقية “ميركوسور” التاريخية

في مشهد استثنائي كسر هدوء العاصمة الفرنسية، استيقظ الباريسيون والسياح على وقع محركات الجرارات التي زحفت نحو قلب "مدينة الأنوار". لم تكن هذه الجولة سياحية، بل صرخة غضب أطلقها المزارعون الفرنسيون الذين قرروا نقل معركتهم من الحقول إلى المعالم الأكثر شهرة في العالم، واضعين مطالبهم المعيشية فوق أي اعتبارات سياحية أو بروتوكولية.

ثورة الجرارات تحت ظلال "السيدة الحديدية"

منذ ساعات الفجر الأولى ليوم الخميس، نجح نحو مئة مزارع في إيصال جراراتهم إلى محيط برج إيفل، المعلم الذي يستقبل سنوياً 7 ملايين زائر ويدر عوائد تتجاوز 78 مليون يورو. رفعت الجرارات لافتات صريحة كُتب عليها "لا لميركوسور"، في إشارة واضحة إلى الرفض الشعبي لاتفاقية التجارة الحرة المقترحة.

ولم تقتصر الاحتجاجات على برج إيفل، بل امتدت لتشمل نقاطاً سيادية أخرى مثل:

  • قوس النصر: حيث تجمع ممثلو الاتحادات الزراعية.
  • الجمعية الوطنية: للتأكيد على أن صوت المزارع يجب أن يُسمع في أروقة التشريع.

ما هي اتفاقية "ميركوسور" ولماذا يخشاها المزارعون؟

تعد اتفاقية "ميركوسور" مشروعاً ضخماً للتجارة الحرة يربط بين الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أمريكا اللاتينية (البرازيل، الأرجنتين، باراغواي، وأوروغواي). ورغم أن الاتفاق استغرق إعداده أكثر من 25 عاماً، إلا أن المزارعين الأوروبيين يرون فيه "رصاصة الرحمة" لقطاعهم، وذلك للأسباب التالية:

  1. المنافسة غير العادلة: تدفق سلع غذائية ولحوم بأسعار رخيصة جداً لا يمكن للمنتج المحلي منافستها.
  2. تفاوت المعايير: يشتكي المزارعون الفرنسيون من "الازدواجية"، حيث تُفرض عليهم معايير بيئية وصحية صارمة، بينما تُستورد منتجات من دول لا تلتزم بنفس القيود.
  3. انهيار المداخيل: التخوف من تدني أرباح المزارعين الصغار والمتوسطين وتوقف نشاطهم نهائياً.

مواجهة سياسية ساخنة في شوارع باريس

لم تمر هذه التحركات دون احتكاك سياسي؛ فقد واجهت رئيسة الجمعية الوطنية، يائيل براون-بيفيه، موقفاً صعباً عندما حاولت لقاء المتظاهرين، حيث قُوبلت بهتافات استهجان ومطالبات بالاستقالة.

من جانبه، صرح برتراند فينتو، رئيس اتحاد "التنسيق الريفي"، بأن النواب الفرنسيين ساهموا عبر سياساتهم في "موت الزراعة الفرنسية" على مدار العقود الثلاثة الماضية، منتقداً البيروقراطية المفرطة والوكالات البيئية التي تضيق الخناق على المزارع.

موقف الحكومة الفرنسية: بين الحزم والحوار

انقسمت ردود الفعل الحكومية تجاه هذا التصعيد:

  • وزارة الداخلية: حاولت كبح جماح الاحتجاجات، حيث أوقفت معظم الجرارات عند مداخل العاصمة، وأكدت المتحدثة باسم الحكومة "مود بريجون" أن التحركات غير القانونية لن يُسمح بها.
  • وزارة الزراعة: دعت الوزيرة "آني جينيفار" إلى تغليب لغة الحوار والهدوء، معترفةً بأن مخاوف المزارعين "مشروعة".
  • الموقف الدبلوماسي: أشار وزير العلاقات مع البرلمان إلى أن فرنسا تتجه للتصويت ضد الاتفاقية في بروكسل، حتى لو كانت في صفوف الأقلية، وهو موقف أيدته أيرلندا أيضاً.

أزمات إضافية تزيد الطين بلة

إلى جانب الهواجس الاقتصادية من "ميركوسور"، يعاني المزارعون من أزمات صحية تضرب قطاع المواشي، أبرزها انتشار مرض الجلد العقدي المعدي بين الأبقار. ويتهم المزارعون الحكومة بالفشل في إدارة هذه الأزمة وتجاهل مطالبهم بتخفيف القيود التنظيمية التي تعيق قدرتهم على مواجهة هذه الأوبئة.

الخاتمة: هل تنجح الجرارات في تغيير المسار؟

إن وصول الجرارات إلى قلب باريس وتعطيل الحركة حول برج إيفل ليس مجرد حركة احتجاجية عابرة، بل هو رسالة سياسية قوية تضع الحكومة الفرنسية والاتحاد الأوروبي أمام خيارات صعبة. فبين طموحات التجارة العالمية وحماية الهوية الزراعية الوطنية، يبدو أن المزارع الفرنسي قرر ألا يتراجع حتى يضمن استدامة مهنته وأمنه الغذائي.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *