استراتيجية “المنع” الإسرائيلية في لبنان: حرب استنزاف مستمرة وضغوط تتجاوز حدود النار

استراتيجية “المنع” الإسرائيلية في لبنان: حرب استنزاف مستمرة وضغوط تتجاوز حدود النار

تواجه الساحة اللبنانية واقعاً عسكرياً معقداً يتجاوز مفهوم "وقف إطلاق النار" التقليدي، حيث تتبنى إسرائيل ما يُعرف بـ "عقيدة المنع" لفرض ضغط ميداني وسياسي متواصل. هذا النهج وضع الدولة اللبنانية والاتفاقات الدولية أمام اختبار حقيقي، وسط تساؤلات متزايدة حول جدوى التهدئة في ظل الانتهاكات المستمرة التي طالت عمق الأراضي اللبنانية.

لغة الأرقام: خروقات تتجاوز التهدئة

تشير البيانات الصادرة عن بعثة الأمم المتحدة إلى مشهد ميداني مشتعل رغم الإعلان الرسمي عن وقف العمليات العدائية. ويمكن تلخيص الواقع الميداني حتى أواخر عام 2025 في النقاط التالية:

  • كثافة الغارات: بلغ متوسط الغارات الجوية الإسرائيلية نحو 51 غارة شهرياً.
  • إجمالي الانتهاكات: تم تسجيل أكثر من 10 آلاف خرق جوي وبري، تركز نصفها تقريباً في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني.
  • التوغل البري: لم تكتفِ إسرائيل بالضربات الجوية، بل ثبتت وجودها في 5 نقاط استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، مع البدء ببناء جدار عازل يتجاوز "الخط الأزرق".

استراتيجية "الضغط بلا كلفة"

يرى المحللون العسكريون، ومن بينهم العميد حسن جوني، أن تل أبيب تدير صراعاً ذكياً يهدف إلى تحقيق مكاسب يومية دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومكلفة. وتعتمد هذه الرؤية على عدة ركائز:

  1. استنزاف الوقت: المراهنة على أن عامل الوقت يصب في مصلحة إسرائيل لإضعاف الخصم.
  2. شلّ التعافي: منع لبنان من البدء في عمليات إعادة الإعمار أو استعادة الدورة الاقتصادية والاجتماعية الطبيعية.
  3. تجاوز قواعد الاشتباك: توجيه ضربات دقيقة واغتيالات دون الالتزام بالمعايير التقليدية للمواجهة، مستغلة غياب الرد المباشر في بعض المراحل.

الأبعاد السياسية والنفسية للوجود العسكري

يمثل احتلال النقاط الخمس جنوب الليطاني رسالة مزدوجة الأهداف:

  • داخلياً (في إسرائيل): طمأنة سكان المستوطنات الشمالية بأن الجيش موجود في "العمق اللبناني" لتأمين حمايتهم.
  • خارجياً (تجاه لبنان): استخدام هذه النقاط كأوراق ضغط سياسية، حيث تربط إسرائيل انسحابها بترتيبات أمنية وتفاهمات أوسع تشمل تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.

جغرافيا الاستهداف: من المسيرات إلى الغارات المكثفة

يختلف نمط العمليات الإسرائيلية باختلاف المنطقة الجغرافية، مما يكشف عن أهداف متباينة:

  • جنوب الليطاني: يسود نمط العمليات الجراحية والاغتيالات المركزة باستخدام الطائرات المسيرة.
  • بين الليطاني والأولي: تتعرض مناطق مثل "إقليم التفاح"، "النبطية"، و"جزين" لغارات شبه يومية.
    ويعتقد خبراء أن تكرار قصف مواقع استُهدفت آلاف المرات سابقاً يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على "سخونة الجبهة" وممارسة ضغط نفسي هائل على الحاضنة الشعبية، أكثر من كونه سعياً وراء أهداف عسكرية جديدة.

الموقف الدولي وحسابات "الدفاع الاستباقي"

من المنظور الأمريكي، كما يوضح محلل شؤون الشرق الأوسط ريان بول، لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار كإنهاء نهائي للنزاع، بل كأداة لخفض التصعيد فقط. هذا التوصيف يمنح إسرائيل "ضوءاً أخضر" ضمنياً للقيام بما تسميه "الدفاع الاستباقي عن النفس".

ومع ذلك، تبرز تحذيرات جادة من أن هذه السياسة قد تؤدي إلى:

  • تقويض سيادة الدولة: إضعاف قدرة الحكومة اللبنانية على بسط سلطتها.
  • نتائج عكسية: احتمال تعزيز موقع حزب الله بدلاً من إضعافه نتيجة الضغط المستمر.
  • تفكك أمني: خطر انهيار المشهد الأمني اللبناني بالكامل، مما يرفع الكلفة الدبلوماسية والاقتصادية على المنطقة برمتها.

الخلاصة: مستقبل مرهون بالتوازنات

يبقى صمود اتفاق وقف إطلاق النار معلقاً بخيط رفيع، حيث تتداخل المعضلات الميدانية مع الحسابات الإقليمية، لا سيما التطورات المتعلقة بالملف الإيراني. إن استمرار "غارات بلا حرب" قد يحقق لإسرائيل مكاسب تكتيكية قصيرة المدى، لكنه يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة إذا ما اختلت موازين الردع الحالية.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *