مقدمة: في حضرة السعة المطلقة
حينما نقف أمام اسم الله (الواسع)، فإننا لا نقف أمام مجرد صفة لغوية تعني الرحابة، بل نحن أمام “قانون كوني” يحكم الوجود بأسره. إنها “طوبولوجيا الاحتواء الرباني”، حيث لا يحد الذات الإلهية حد، ولا يحصر صفاتها حصر. في هذا المقال، نغوص في أعماق هذا الاسم الجليل، لنستكشف كيف تتجلى فيزياء الرحمة الواسعة وهندسة المدد الذي لا ينفد، وكيف يمكن للإنسان، الكائن المحدود، أن يجد مستقره في كنف الاله اللامحدود.
أولاً: فقه السعة في لغة التنزيل
كلمة “الواسع” في اللغة مشتقة من السعة، وهي نقيض الضيق. وعندما يصف الله نفسه بأنه (واسع)، فذلك يعني أنه واسع الصفات والنعوت، واسع الملك والسلطان، واسع الكرم والإحسان. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 115].
إن اقتران اسم الله “الواسع” باسمه “العليم” في القرآن الكريم، كما في الآية السابقة، يفتح آفاقاً لفهم “هندسة العلم الإلهي”. فهو علم لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، محيط بكل ذرة في كوانتوم الوجود، وشامل لكل خاطر يمر في سويداء القلوب. هذه السعة المعرفية هي التي تعطي المؤمن طمأنينة بأن كل أنةٍ وكل دعوةٍ تجد لها حيزاً في علم الله الواسع.
ثانياً: فيزياء الرحمة.. (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)
إذا كان علماء الفيزياء يتحدثون عن اتساع الكون وتمدده، فإن الشريعة الإسلامية تتحدث عن تمدد أسمى، وهو تمدد الرحمة الإلهية. يقول الحق سبحانه: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) [الأعراف: 156].
- احتواء المذنبين: إن رحمة الله ليست للمطيعين فحسب، بل هي فضاء مفتوح يتسع حتى لمن أسرفوا على أنفسهم، كما في قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) [الزمر: 53].
- احتواء الجمادات والأحياء: كل كائن، من المجرات السديمية إلى الخلايا المجهرية، يسبح في “هيدروديناميكا” الرحمة الإلهية التي تمده بالبقاء والرزق.
- السبق الإلهي: في الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم: “إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي”. هذا السبق هو جوهر الاحتواء؛ فالرحمة هي الإطار المرجعي الأول والأخير.
ثالثاً: هندسة المدد اللامتناهي.. السعة في الأرزاق والفتوح
كثيراً ما يشعر الإنسان بالضيق المادي أو المعنوي، وهنا يتجلى اسم الله (الواسع) كمخرج طوارئ كوني. إن هندسة المدد الإلهي لا تخضع لقوانين الندرة التي تحكم الاقتصاد البشري. يقول تعالى: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) [النساء: 130].
هذه السعة ليست مجرد وفرة مادية، بل هي سعة في الحلول، سعة في المخارج، وسعة في الأرزاق النفسية. عندما يضيق بك أمر، فاعلم أنك تتعامل مع (الواسع) الذي وسع كرسيه السماوات والأرض: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255]. إن الكرسي، وهو مخلوق، قد وسع هذا الكون المنظور، فكيف بخالقه ومبدعه؟
رابعاً: طوبولوجيا القلب.. كيف يحتوي المحدودُ اللامحدود؟
في الأثر المشهور الذي يتناقله العارفون (وإن كان في سنده مقال إلا أن معناه الروحاني عميق): “ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن”. هذه العبارة تصف حالة “شرح الصدر” التي يمنّ الله بها على أوليائه. إن القلب البشري، بصفته ممرّاً للفيوضات الإلهية، يمتلك خاصية “التمدد الروحاني”.
عندما يمتلئ القلب بمعرفة (الواسع)، يتحول من مضغة صغيرة خلف الأضلاع إلى فضاء أرحب من الكون نفسه. يقول تعالى لنبيه ﷺ: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ) [الشرح: 1]. الشرح هنا هو توسعة لـ “سعة الامتصاص” الروحية، ليكون الصدر قادراً على احتواء الوحي، واحتواء هموم الأمة، واحتواء تجليات الجمال الإلهي.
خامساً: الثمرات النفسية والعملية للتعبد باسم الله الواسع
إن إدراك حقيقة اسم الله الواسع يغير الكيمياء النفسية للمؤمن، ويجعل سلوكه يتسم بالآتي:
- التفاؤل المطلق: لا ضيق يدوم في ظل وجود “الواسع”. كل أزمة هي في الحقيقة فرصة لتجلي سعة جديدة من فضل الله.
- سعة الصدر مع الخلق: من عرف سعة الله، استحيى أن يكون ضيق الأفق مع الناس. فيعفو عمن ظلمه، ويتسع لآراء المخالفين، ويكون “واسع الأخلاق”.
- التحرر من شح النفس: اليقين بسعة خزائن الله يدفع الإنسان للإنفاق والكرم، لقوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 268].
سادساً: تجلي الواسع في العبادات
لقد صمم الله شريعته لتكون “واسعة” مرنة، لا حرج فيها ولا ضيق. فشرع الرخص عند المشقة، وجعل الأرض كلها مسجداً وطهوراً. وهذا من تجليات اسمه الواسع في تشريعه، لكي لا تضيق السبل بالخلق في طريقهم إلى الله. يقول النبي ﷺ: “إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ” (رواه البخاري)، وهذا اليسر هو انعكاس لسعة الشريعة المشتقة من سعة الشارع سبحانه.
خاتمة: دعاء السعة
إننا في عالم يضيق يوماً بعد يوم بساكنيه، وتضيق فيه النفوس بالماديات، ليس لنا ملاذ إلا أن نلوذ بـ (الواسع). الذي وسع علمه كل شيء، ووسعت رحمته كل حي، ووسع غناه كل فقر.
فاللهم يا واسع المغفرة، ويا واسع العطاء، ويا من وسع كرسيه السماوات والأرض؛ اشرح صدورنا بفيض الإيمان بك، ووسع أرزاقنا بحلالك، واجعلنا نتقلب في سعة عفوك ورحمتك في الدنيا والآخرة. آمين.

اترك تعليقاً