في خطوة أثارت الكثير من الجدل في الأوساط السياسية الدولية، برزت تساؤلات جوهرية حول أبعاد الاعتراف الإسرائيلي بجمهورية "أرض الصومال" (Somaliland). وبينما يرى البعض في هذه الخطوة انفتاحاً دبلوماسياً جديداً، يصفها آخرون بأنها "صبّ للزيت على النار" في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وتوترات مزمنة.
سنتناول في هذا المقال تحليلاً مفصلاً لما نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية ومجلة "لوبس" الفرنسية حول هذا الملف، لاستكشاف المكاسب المحتملة والتحديات الكبرى التي تكتنف هذا القرار.
الأهمية الجيوسياسية: لماذا أرض الصومال الآن؟
تكتسب "أرض الصومال" أهمية استثنائية تنبع من موقعها الفريد على خارطة التجارة العالمية، وهو ما جعلها محط أنظار القوى الإقليمية والدولية:
- بوابة البحر الأحمر: تطل الدولة على خليج عدن وتقترب من مضيق باب المندب، وهو الممر المائي الذي تعبر منه نسبة هائلة من التجارة والطاقة العالمية.
- تأمين الملاحة: في ظل تصاعد تهديدات جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في اليمن، تسعى إسرائيل والقوى المتحالفة معها إلى إيجاد نقاط ارتكاز جديدة لتأمين سفنها التجارية بعيداً عن الاستهداف.
- مواجهة القرصنة: تاريخ المنطقة مع القرصنة الصومالية يجعل من وجود شريك مستقر أمنياً في تلك البقعة ضرورة إستراتيجية.
رؤية "جيروزاليم بوست": هل المكاسب حقيقية أم مبالغ فيها؟
طرحت الصحيفة الإسرائيلية تساؤلات نقدية حول الجدوى الفعلية لهذا الاعتراف، مشيرة إلى عدة نقاط جوهرية:
- رمزية الخطوة: تساءلت الصحيفة عما إذا كان الاعتراف يمثل تحولاً إستراتيجياً حقيقياً أم أنه مجرد "فرقعة" دبلوماسية مبالغ في تقدير نتائجها.
- هشاشة الإقليم: وصفت الصحيفة دول القرن الأفريقي (السودان، الصومال، إثيوبيا، إريتريا) بأنها تعاني من تفكك داخلي وصراعات مستمرة، مما يجعل الرهان عليها محفوفاً بالمخاطر.
- ضعف الموارد: خلص التحليل إلى أن المنطقة تفتقر إلى الاستقرار والموارد الكافية التي تجعل من الاعتراف مكسباً إستراتيجياً كبيراً على المدى القريب، خاصة مع انشغال القوى الكبرى بملفات دولية أكثر إلحاحاً.
قراءة مجلة "لوبس": اعتراف غير مسبوق وردود فعل غاضبة
من جانبها، ركزت المجلة الفرنسية على الجانب التاريخي والدبلوماسي للقرار، معتبرة إسرائيل أول دولة في العالم تكسر حاجز العزلة الدولية المفروض على "أرض الصومال" منذ انفصالها عن مقديشو عام 1991.
تباين المواقف بين الترحيب والرفض:
- في "هرجيسا" (أرض الصومال): وصف الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله الخطوة بأنها "صفحة ذهبية" وتتويج لنضال دام 34 عاماً من أجل الاعتراف.
- في "تل أبيب": تحدث بنيامين نتنياهو عن "فرصة جميلة" لتوسيع الشراكات الإقليمية.
- في "مقديشو": اعتبرت الحكومة الصومالية القرار انتهاكاً صارخاً لسيادتها الوطنية، وحذرت من أنه قد يؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط بشكل كامل.
أبعاد التعاون ومسار "اتفاقيات أبراهام"
لا يتوقف الاعتراف عند الجانب السياسي فقط، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية ودبلوماسية رحبة:
- اتفاقيات أبراهام: أبدت "أرض الصومال" رغبة واضحة في الانضمام إلى هذا المسار، مما يعزز جهود التطبيع التي تدعمها الإدارات الأمريكية، وخاصة توجهات دونالد ترامب.
- التعاون التقني: يفتح القرار الباب أمام مشاريع مشتركة في مجالات الزراعة، التكنولوجيا، والأمن المائي، وهي مجالات تتفوق فيها إسرائيل تقنياً.
- تطويق التهديدات: يسعى الاحتلال الإسرائيلي من خلال هذا الوجود إلى تعزيز قدراته الاستخباراتية والعملياتية في مواجهة النفوذ الإيراني وحلفائه في منطقة البحر الأحمر.
تحديات وعقبات في طريق الاعتراف
رغم الطموحات الكبيرة، إلا أن هذا المسار يواجه معارضة شرسة:
- الرفض الإقليمي: ترفض معظم الدول العربية والأفريقية والمنظمات الإقليمية هذا الاعتراف خوفاً من تشجيع الحركات الانفصالية


اترك تعليقاً