الأمل بالله: شعلة اليقين التي لا تنطفئ في عواصف الحياة

# الأمل بالله: شعلة اليقين التي لا تنطفئ في عواصف الحياة

تعد الحياة رحلة متعرجة بين منحدرات الألم وقمم المسرات، وفي هذه الرحلة لا يجد الإنسان زاداً أثمن من اليقين بأن الله في السماء، وأن الرجاء في القلوب هو الحبل المتين الذي يربط الأرض بملكوت السماء. فبين فيض العناية الإلهية ونفحة الأمل المتجددة، تمضي الحياة على جراحها فلا تموت، وتسير على آلامها فلا تقف، وكأن هناك قوة خفية تدفع الأرواح للمضي قدماً رغم عواصف القدر.

فلسفة الأمل في قلب الانكسار

ما من قلبٍ انكسر في هذه الدنيا إلا وكان للأمل فيه يدٌ حانية تمسح دمعه، وتلملم شتاته. إن الأمل ليس مجرد شعور عابر، بل هو ضرورة وجودية؛ فما من روحٍ أظلم ليلها واشتدت كربتها إلا وكان للرجاء فيها فجرٌ يتنفس في الأفق البعيد. بهذا الأمل تلتئم الصدور المتصدّعة، وتنهض العزائم التي أرهقها المسير، وتعود إلى الحياة تلك النفوس التي كادت تذبل في حرِّ اليأس وقيظ القنوط.

إننا نرى الشمس تغرب كل يوم على عالمٍ مثقلٍ بالأنين، مثقل بآهات المظلومين وأوجاع المتعبين، ولكنها لا تلبث أن تعود فتشرق من جديد على عالمٍ فيه بقايا ابتسام وبوارق فجر جديد. وهكذا هو حال الإنسان؛ يمسي على خسارةٍ توجعه، ويبيت على غصةٍ تخنق أنفاسه، لكنه يصبح على أملٍ يسنده، وقوةٍ داخلية تمده بالعزم.

تأمل في الطبيعة من حولك، وانظر إلى تلك الموجة العاتية وهي تتحطم على الصخر الأصم، فتتفتت وتتناثر رذاذاً، لكنها لا تستسلم، بل تعود فتجري في البحر بكل قوتها كأنها لم تُكسر قط. هذا التجدد هو سر البقاء، وهو الدرس الأول الذي تمنحه لنا الحياة في مدرسة الصبر.

دروس الطبيعة وتجدد الروح

إن الطبيعة من حولنا هي كتاب مفتوح يقرأ فيه المتأمل آيات الأمل. انظر إلى الشجرة في فصل الخريف؛ كيف تُجرَّد من أوراقها، وتعرى أغصانها، وتبدو كأنها فارقت الحياة. لكنها في الحقيقة تختزن القوة في جذورها، وما إن يحل الربيع حتى تستعيد زينتها، وتكتسي بحلة خضراء جديدة، وكأن الطبيعة نفسها تعلّم الإنسان أن ما يذبل اليوم قد يخضرُّ غدًا، وما ينكسر الآن قد ينهض بعد حين بأمر الله.

ولولا هذا الأمل لضاقت الحياة على أهلها، ولأصبحت الأرض قبراً واسعاً للأحلام. لولا الأمل لانطفأت في القلوب مشاعل الصبر، ولتوقفت عجلة العمل.

  • ماذا كان يصنع الفقير إذا اعتقد أن ضيق العيش سرمدي لا انفراج له؟
  • وماذا كان يفعل المريض لو أيقن أن علّته لا يعقبها شفاء، وأن سقمه لا دواء له؟
  • بل كيف يعيش المكروب إذا أغلق الغد أبوابه في وجهه، وظن أن ليله لن ينجلي؟

إن النفس البشرية، بطبيعتها التي جبلها الله عليها، لا تحتمل دوام الظلمة، ولكنها تصبر وتتحمل المشاق إذا رأت في آخر النفق شعاعًا، ولو كان بعيدًا خافتًا، لأنها تدرك أن الوصول إليه ممكن.

الأمل: الوعد الخفي واليد الحانية

إن الأمل وعدٌ خفيٌّ يسكن سويداء القلب، هو سرٌ بين العبد وخالقه، لا يراه الناس في ملامح الوجه دائماً، ولكن يشعر به كل حيّ يناضل من أجل البقاء. هو تلك اليد التي تمتد من الغد المشرق لتربّت على كتف اليوم المتعب، وهو ذلك الصوت الرخيم الذي يهمس للروح في ساعة الانكسار: “إن وراء هذا الليل صبحًا، ووراء هذا العسر يسرا”.

إن الأيام، وإن أثقلت الخطى وزادت الأعباء، لا تمضي إلا نحو الفرج. فالله سبحانه وتعالى جعل مع العسر يسراً، ولم يقل بعد العسر، تأكيداً على المعية والاقتران. ولله على عباده نعمتان عظيمتان بهما تُحتمل الحياة وتستقيم الرحلة:

1. نعمة النسيان: التي تطوي صفحات الألم، وتخفف وطأة الذكريات الحزينة، فلولاها لما استطاع إنسان أن يبدأ من جديد.
2. نعمة الأمل: التي تفتح صفحات الرجاء، وتجعل الإنسان ينظر إلى المستقبل بعين المتفائل الواثق بالله.

فإذا اجتمعت هاتان النعمتان في قلب عبدٍ، عاش مطمئنًّا ولو كثرت جراحه، وسار إلى غده واثقًا ولو تكاثرت حوله العثرات؛ لأنه يعلم يقيناً أن الليل مهما طال فالصبح آتٍ لا محالة، وأن القلب الذي ينبض بالأمل بالله لا يعرف الموت المعنوي أبداً.

الأمل بالله: المنبع الأصفى واليقين الأسمى

غير أن للأمل منبعًا أصفى من كل رجاء دنيوي، ومشرقًا أهدى من كل فجر مادي؛ وهو الأمل بالله. إن القلوب إذا تعلّقت بربها، وانقطعت عن التعلق بالأسباب المادية وحدها، لم تضق بها السبل، ولم تنطفئ فيها مصابيح الرجاء مهما اشتدت الرياح.

يعرف المؤمن حق المعرفة أن ما عند الله خير وأبقى، وأن خزائن الفرج بيده وحده، سبحانه الذي يسوق البلاء لحكمة، وهو القادر على أن يسوق معه العوض الجميل الذي ينسي العبد مرارة الصبر. فإذا أظلمت في وجهه الطرق، وانقطعت به الأسباب، رفع طرفه إلى السماء، وقال بقلبٍ موقن ونفس مخبتة: “يا ألله”.

عند هذه الكلمة، يسكن الاضطراب، وتبرد في الصدر جمرة القلق، وتتنزل السكينة على الروح الهائمة؛ لأن العبد يعلم أن له ربًا رحيماً لا يضيع عنده الرجاء، ولا يرد من قصده صادقًا في اللجوء، ولا يخيب من وقف بباب كرمه.

طوبى للقلوب المتعلقة بالله

فطوبى لقلبٍ جعل أمله في الله وحده، واستند في شدائده وملماته إلى مولاه؛ فإن من وجد الله لم يفقد شيئًا، ومن فقد الله لم يجد شيئاً. إن من قصد باب الله فُتح له كل باب مغلق، ومن استنصر به نصره ولو بعد حين.

هناك، في رحاب العبودية والافتقار، يلتقي الأمل بالإيمان، ويصبح الرجاء عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وتتحول الجراح النازفة في القلب إلى ينابيع صبرٍ ويقين، تروي شجرة الإيمان حتى تثمر رضا وتسليماً.

إن الحياة بلا أمل بالله هي صحراء قاحلة، أما معه فهي جنة وارفة الظلال، يسير فيها المؤمن وهو يردد في أعماقه: “لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً”. فليكن أملك بالله كبيراً، وثقتك بعطائه لا حدود لها، فما خاب من ظن بالله خيراً، وما انكسر من اعتمد على القوي العزيز.

ختاماً، اجعل من جراحك جسوراً للعبور نحو الله، واعلم أن كل دمعة ذرفتها في خلوتك هي عند الله معلومة، وكل ألم كتمته هو في ميزانك مذخور. فاستبشر خيراً، فإن الفرج قريب، وإن وعد الله حق، وإن الأمل بالله هو الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل الزوال.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *