# الاستثمار في الأبناء: حين يُنبتُ البيتُ رجلاً… فيثمرُ للأمّة نهضةً
إنّ المتأمل في مسيرة الأمم، والباحث في أسباب نهضتها وانبعاثها من مرقدها، يدرك يقيناً أن القوة الحقيقية لا تكمن في رصيد البنوك، ولا في ضخامة العمران، ولا في اتساع الرقعة الجغرافية فحسب؛ بل إن القوة الحقيقية والكنز الثمين يكمن في ذلك الإنسان الذي يُصنع على عين الله، وفي تلك النفوس التي تُصاغ لتكون مشاعل هداية ومنارات إصلاح. ومن هنا، ندرك أن من أجلِّ المشاريع التي ينبغي أن تُشيعها البيوت، وأن يُذكَّر بها الآباء والأمهات في مجالسهم، وفي خلواتهم مع أنفسهم، هو مشروع الاستثمار في الأبناء.
ليس في ميادين الدنيا، على اتساعها وتعدد فرصها، استثمارٌ أصدق ربحاً، ولا أبقى أثراً، ولا أوسع بركةً من الاستثمار في الأبناء، إذا صحت النية، واستقام القصد، وتوفرت العزيمة الصادقة. إن هذا النوع من الاستثمار لا تقف ثماره عند حدود الوالدين في حياتهما، ولا تنتهي بوفاتهما، بل تمتدّ ظلاله الوارفة لتشمل الأمة كلِّها، وتتجاوز الأجيال لتبقى صدقة جارية تتدفق بالحسنات في ميزان من بذر البذرة الأولى.
قصة الاستثمار الحق: عبد الحميد بن باديس نموذجاً
هل أتاك نبأ الشيخ المصلح الرباني العظيم، أحد أقطاب نهضة الجزائر العلمية والدعوية، والمجاهد الصنديد بقلمه ولسانه ضد المستعمر الفرنسي الغاشم؟ إنه الإمام عبد الحميد بن باديس. هذا الاسم الذي ارتبط في أذهاننا بالثورة على الجهل والتبعية، لم يكن نبتة شيطانية، بل كان ثمرة غراسٍ مبارك في بيتٍ عرف قيمة الاستثمار في الأبناء.
لقد أبصر والده فيه مخايل النجابة منذ نعومة أظفاره، ولمح في عينيه تباشير النبوغ والذكاء المتقد. كان والده رجلاً موسراً ذا سعة في المال والجاه، ولكنه لم ينظر إلى ابنه كوارث للمال أو حارس للعقار، بل نظر إليه كذخيرة للأمة. قال له كلمةً هي في حقيقتها دستور تربوي متكامل، واختصار بليغ لفلسفة التربية الصالحة:
> «يا عبدالحميد، أنا أكفيك أمر الدنيا وأقوم بكل أمورك، وسألبّي لك كل ما تريد، فاكفني أمر الآخرة، وكن الولد الصالح الذي ألقى به وجه الله».
هذه الكلمة لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل كانت ميثاقاً غليظاً، وعقداً استثمارياً بين أبٍ بصير وابنٍ بار. لقد تفرغ الأب لخدمة الابن في شؤون معاشه، ليفرغ الابن قلبه وعقله لخدمة دين الله والقيام بواجب الإصلاح. فكانت النتيجة أن أنبتت هذه الأرض رجلاً من أعظم رجال القرن الماضي بركةً وأثراً، رجلٌ لم يكتفِ بأن يكون عالماً، بل كان أمةً في رجل.
الابن المدرسة: مشروعٌ إصلاحيٌ متكامل
كان عبد الحميد بن باديس مدرسةً قائمة بذاتها، ومشروعاً إصلاحياً جديرًا بالدراسة والاعتبار. لم يكن مصلحاً جزئياً، بل كان يرى أن النهضة تبدأ من بناء الإنسان، وهذا البناء لا يقوم إلا على أسس متينة. ومن تأمّل تجربته الإصلاحية وجد أن القرآن الكريم – تلاوةً وتدبراً ومعايشةً – كان الركيزة الأساسية التي قام عليها بنيانه.
لقد أدرك ابن باديس أن الاستثمار في الأبناء يبدأ من ربطهم بالوحي، فجعل القرآن بوصلته، ومنهجه في التغيير. لم يكن تعامله مع القرآن تعامل تبركٍ فحسب، بل كان فهماً عميقاً للنص، وصحبةً طويلة لآياته، ثم تنزيلٌ سليم لمعانيه على واقع الناس المرير تحت وطأة الاستعمار.
وقد وصف رفيق دربه، الشيخ البشير الإبراهيمي، هذا الذوق القرآني الفريد بقوله:
> «له ذوق خاص في فهم القرآن كأنه حاسة سادسة خُصّ بها، يرفده بعد الذكاء المشرق والقريحة الوقّادة؛ بيان ناصع واطلاع واسع، وله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم والإصلاح والتربية والتعليم».
القرآن: منطلق النهضة وميدان البناء
لقد ترك ابن باديس تفسيراً عظيماً للقرآن الكريم – وإن لم يكتمل – يثير في النفس المعاني السامية، ويبعث الهمم لتجديد العهد مع كتاب الله. كان يرى في القرآن روحاً تسري في الأمة فتقيمها من كبوتها. ومن هنا، فإن أي استثمار في الأبناء لا يضع القرآن في مقدمة أولوياته هو استثمار ناقص الجدوى.
إن من استحضر ربانيةَ القرآن قبل أن يتلوه، وجعل الاهتداءَ به وامتثالَ أوامره غايةَ قلبه ومقصده، فقد نال شرفَ الصحبة لكتاب الله، واقتفى أثرَ النبي ﷺ. وهذا هو جوهر التربية التي ينشدها الإسلام؛ أن يكون الابن قرآنياً في أخلاقه، قرآنياً في تفكيره، قرآنياً في طموحاته.
ركائز الاستثمار الناجح في الأبناء
بناءً على تجربة ابن باديس وما تمليه علينا أصول التربية الإسلامية، يمكننا تلخيص ركائز الاستثمار في الأبناء في النقاط التالية:
1. تصحيح النية: أن يكون المقصد من تربية الأبناء هو إعداد عباد صالحين لله، ومصلحين في الأرض، وليس مجرد مفاخرة دنيوية.
2. توفير البيئة الصالحة: كما فعل والد ابن باديس حين كفى ابنه هموم الدنيا ليتفرغ للمعالي.
3. الربط بالوحي: جعل القرآن الكريم والسنة النبوية هما المرجعية الأساسية في تكوين شخصية الطفل.
4. بناء الوعي بالواقع: تربية الأبناء على فهم قضايا أمتهم والشعور بآلامها وآمالها.
5. الصبر والمثابرة: إن ثمار الاستثمار في الأبناء قد لا تظهر بين يوم وليلة، بل تحتاج إلى سنوات من الرعاية والسقيا.
أثرٌ لا يزول وبرٌّ متعدٍّ
إن رحمة الله تتنزل على ابن باديس وعلى أبيه الذي عرف كيف يغرس. لقد كان هذا الابن صدقةً جارية لوالده، وبرّاً متعدّياً تجاوز حدود الأسرة ليحيي أمة كاملة كانت مهددة في هويتها ودينها. إننا اليوم في أمس الحاجة إلى استعادة هذه الفلسفة في بيوتنا.
إن كل أب وأم يملكان فرصة ذهبية لصناعة “ابن باديس” جديد، ليس بالضرورة في العلم الشرعي وحده، بل في كل ثغر من ثغور الإسلام. فالأمة تحتاج الطبيب الرباني، والمهندس المخلص، والمعلم المربي، والسياسي الصادق.
كيف نبدأ اليوم؟
إن البداية تكون من تلك اللحظة التي يقرر فيها الوالدان أن طفلهما هو أعظم مشروع في حياتهما. ابدأ بغرس القيم قبل المعلومات، وبالقدوة قبل الموعظة. اجعل من بيتك محضناً للسكينة والذكر، واحرص على اكتشاف مواهب ابنك وتوجيهها لما ينفع دينه وأمته.
تذكر دائماً أنك حين تستثمر في ابنك، فأنت لا تبني مستقبله الشخصي فحسب، بل تساهم في كتابة سطر جديد في تاريخ عز الأمة. فرحمةُ الله على والدٍ قدّم للأمة ولدًا، فكان ولده أثراً لا يزال حيّاً في ضمير التاريخ، ونوراً يضيء دروب السائرين نحو النهضة والتمكين.
ختاماً، لنجعل من قصة ابن باديس ملهماً لنا، ولنردد في أنفسنا تلك الكلمات العظيمة: “اكفني أمر الآخرة”. فإذا صلح ما بيننا وبين الله في أبنائنا، كفانا الله ما أهمنا من أمر دنيانا وآخرتنا، وجعل أبناءنا قرة عين لنا في الدنيا، وذخراً لنا يوم نلقاه.

اترك تعليقاً