في قلب التحولات العميقة التي شهدتها منطقة البلقان، لم يكن "الاستشراق الصربي" مجرد حقل للدراسات الأكاديمية أو البحث التاريخي، بل تطور ليصبح أداة أيديولوجية فتاكة تجاوزت حدود الفكر لتستقر في فوهات المدافع. يسلط هذا المقال الضوء على حوار معمق مع الدكتور ميرزا سارايكتش، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة سراييفو، لتفكيك بنية هذا الخطاب الذي مهد الطريق لإبادة جماعية استهدفت الوجود الإسلامي في يوغوسلافيا السابقة.
الاستشراق الصربي: من المرجعية الغربية إلى "الأدلجة" القاتلة
يوضح الدكتور سارايكتش أن الاستشراق الصربي، رغم استقائه لأسسه المعرفية من الاستشراق الغربي الكلاسيكي، إلا أنه يتميز بخصوصية جيوسياسية تجعله فريداً في أهدافه. هو ليس مجرد "تغريب" للشرق أو بحث في جمالياته، بل هو خطاب صدامي يهدف إلى:
- نزع الشرعية: تجريد المسلمين داخل البلقان من حقهم في الوجود التاريخي والسياسي.
- التجريد من الإنسانية: تصوير "الآخر" المسلم ككائن بلا روح، مما يسهل تبرير العنف ضده.
- صناعة "العدو الجوهراني": تعريف الهوية الصربية ليس من خلال قيمها الذاتية فحسب، بل من خلال نقيضها "المسلم" الذي يُصور كتهديد دائم.
أسطورة "العربي الأسود" وتحولها إلى "التركي الشيطاني"
يعود سارايكتش بالذاكرة إلى الأدبيات الصربية في القرن السابع عشر، حيث برز نمط "العربي الأسود". هذا النموذج لم يكن مجرد شخصية خيالية، بل كان بنية أيديولوجية متجذرة:
- التصوير الشيطاني: وُصف العربي في الملاحم الصربية ككائن متوحش بملامح خارقة للطبيعة (رؤوس متعددة، نفث النار).
- التطهير الحضاري: من خلال تحويل الإنسان إلى "وحش"، أصبح العنف ضده يُقدم كفعل تطهيري بطولي.
- التحور التاريخي: مع مرور الوقت، انتقلت هذه الصورة النمطية لتسقط على المسلمين البوشناق، الذين أُطلق عليهم وصف "التركي الشيطاني"، باعتبارهم "خونة" للعرق السلافي وورثة للإمبراطورية العثمانية "الشريرة".
الأكاديمية في خدمة العسكر: "ماكينة" الإبادة
لم يظل هذا الخطاب حبيس الكتب، بل انتقل إلى أروقة المؤسسات الرسمية. يشير الدكتور سارايكتش إلى أن النخبة الفكرية الصربية وضعت "خارطة طريق" استراتيجية للعنف:
- مذكرة 1986: أرست أكاديمية العلوم والفنون الصربية الأساس الأيديولوجي للحروب اليوغوسلافية، مصورةً الجميع (غير الصرب) كأعداء للوطن.
- عسكرة الخطاب: نشر مستشرقون مثل "ميرولوب ييفتيتش" و"نادا تودوروف" مقالات في مجلات الجيش اليوغوسلافي، تصف المسلمين بـ "الجهاديين المتعطشين للدماء"، مما حول العقيدة العسكرية إلى أداة لتنفيذ رؤى استشراقية إقصائية.
التناقض الصارخ: شيطنة الداخل ومداهنة الخارج
يكشف المقال عن مفارقة عجيبة في السياسة الصربية المعاصرة؛ فبينما يتم استخدام الخطاب الاستشراقي لشيطنة المسلمين في البوسنة، تسعى الدولة الصربية لإقامة علاقات اقتصادية متينة مع الدول العربية. هذا التناقض يفضح البراغماتية الأيديولوجية:
- المسلم في الداخل هو "عدو وجودي" يجب استئصاله.
- المسلم في الخارج (صاحب رأس المال) هو "شريك" يُطلب وده.
رموز الكراهية في المشهد المعاصر
لا يزال هذا الفكر حياً في الخطاب السياسي الحالي، ويتمثل ذلك في مواقف شخصيات قيادية:
- ألكسندر فوتشيتش: وإنكاره المستمر لإبادة "سريبرنيتسا"، مع استحضار خطابه القديم: "مقابل كل صربي، سنقتل مئة مسلم".
- ميلوراد دوديك: الذي يصف البوشناق بأنهم "شعب مستعبد" و"خلل جيني"، مستخدماً أقسى الصور النمطية الاستشراقية.
- المؤسسة الدينية: عبر تصريحات المطران "


اترك تعليقاً