الاستقامة بعد رمضان: كيف تحافظ على ثمار عبادتك؟

# الاستقامة بعد رمضان: كيف تحافظ على ثمار عبادتك ولا تنقض غزلك؟

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات والبركات، نحمده سبحانه على إتمام نعمته، وإكمال طاعته، وسبوغ عافيته، وعلى حسن توفيقه وإعانته. نحمده أن بلغنا شهر الصيام، وأعاننا فيه على القيام، ويسر لنا سبل الطاعة والبر والإكرام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل المواسم محطات للتزود، والعبادات زاداً للقلوب، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان عمله ديمة، وكان أخشى الناس لله وأتقاهم له، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

رحيل الضيف وبقاء الأثر

لقد مضى رمضان وانقضى، وشد رحاله مخلّفاً وراءه ذكريات الطاعة وأنس المناجاة. انقضى رمضان حاملاً معه صحائف الأعمال، التي سُطرت فيها الدمعات والسجدات، والصدقات والدعوات. لقد انقضى بانقضائه سوق التجارة الرابحة الذي كان قائماً، فربح فيه من ربح، وفاز فيه من فاز، وخسر فيه من غفل وتولى.

يا عباد الله، احمدوا الله تعالى على ما وفقكم إليه من صيام نهاره، وقيام ليله. احمدوه سبحانه على ما يسر من قراءة القرآن، وذكر الرحمن، والتسبيح والاستغفار والدعاء. إن هذه الأعمال الصالحات التي قدمتموها هي ذخركم عند ربكم، وهي ثمار غراسكم في شهر الجود والكرم. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ماذا بعد رمضان؟

الاستقامة: برهان القبول وعنوان الفلاح

إن من أعظم علامات قبول العمل في رمضان هو المداومة على الطاعة بعده. فالاستقامة هي الغاية الكبرى والمطلب الأسمى لكل مؤمن صادق. وقد أمر الله بها في كتابه العزيز، وجعلها طريقاً للفوز بجنات النعيم. قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 30-32].

إن الاستقامة ليست مجرد كلمة تقال، بل هي منهج حياة، وثبات على المبدأ، ومداومة على الخير. وقال جل وعز في موضع آخر مؤكداً على هذا المعنى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 13-14].

ولقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستقامة، وهي وصية الله للأنبياء والمرسلين؛ فقال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]. وعندما جاء سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر يعتصم به، قال كما في صحيح مسلم: «قل آمنت بالله ثم استقم».

حتى في لحظات استجابة الدعاء، يكون التوجيه الإلهي هو الاستقامة؛ فالله عز وجل قال لنبيه موسى وأخيه هارون عليهما السلام بعد دعائهما: {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا} [يونس: 89]. فإذا كان الله قد استجاب دعواتكم في رمضان.. فاستقيموا. وإذا كان الله قد تقبل توبتكم في رمضان.. فاستقيموا. وإذا كان الله قد أعتق رقابكم من النار.. فاستقيموا.

حذارِ من نقض الغزل بعد القوة

ما أجمل الإحسان بعد الإحسان، وما أحسن الطاعة تتبعها الطاعة! إن الاستقامة على الخير بعد رمضان هي الدليل الصادق على أن العبد كان يعبد رب رمضان، لا شهر رمضان فحسب. وقد قيل قديماً: “الاستقامة أعظم كرامة”.

ولكن، هناك صنف من الناس يكدحون في رمضان، يبنون صروحاً من العبادة، ويغزلون خيوطاً من التقوى، فإذا ما انتهى الشهر، هدموا ما بنوا، ونقضوا ما غزلوا. هؤلاء حذرنا الله منهم في كتابه الكريم بقوله: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل: 92].

لقد ذكر أهل التفسير أن امرأة في مكة كانت تسمى ريطة بنت سعد، كانت خرقاء، تأخذ مغزلها وخيطها في أول النهار، فتبقى طول يومها تغزل وتنسج نسجاً رائقاً محكماً، فإذا بلغت نهاية النهار وأتمت صنعها، أمسكت بطرف الخيط فنقضت كل ما غزلته، وأفسدت كل ما نسجته، لتعود إلى نقطة الصفر بلا نتاج ولا ثمرة.

فيا أيها الصائم القائم، لقد نسجت في رمضان نسجاً رقيقاً من الإيمان، وبنيت بالعبادة بناءً عالياً وصرحاً رفيعاً، فأعيذك بالله أن تعود بعد رمضان إلى التفريط والتقصير، أو تقع في وحل الذنوب والمعاصي، فتهدم بسوء العمل ما حصلته من عظيم الأجر. إن من علامات قبول الطاعةِ الطاعةَ بعدها، ومن علامات الخذلان هجر الطاعات بمجرد انتهاء مواسمها.

العبادة مستمرة والمعبود حي لا يموت

لقد انتهى رمضان كزمن، ولكن العبادة لم تنتهِ كواجب ومطلب. إن الرب الذي عبدتموه في رمضان هو رب الشهور كلها، وهو الحي الذي لا يحول، والباقي الذي لا يزول. فإذا كانت أبواب المساجد قد شهدت ازدحامكم في التراويح، فلا تجعلوها تشكو هجركم في صلاة الفجر وبقية الصلوات.

1. قيام الليل: زاد الأرواح الدائم

إذا كان قيام رمضان (التراويح) قد انتهى، فإن قيام الليل مدرسة ربانية لا تغلق أبوابها أبداً. قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء: 79]. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على فضلها بقوله: «أفضلُ الصلاةِ بعدَ الفريضةِ صلاةُ الليلِ» (رواه مسلم). فاجعل لنفسك نصيباً من الليل ولو ركعات يسيرة توتر بها، وتحافظ بها على صلتك بخالقك.

2. الصيام: نافلة لا تنقطع

إذا انقضى صيام الفريضة، فإن صيام النافلة بابه مفتوح على مصراعيه.

  • ست من شوال: بادر بصيامها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ» (رواه مسلم). هي بمثابة الراتبة بعد الفريضة، تجبر النقص وتزيد الأجر.
  • الاثنين والخميس والأيام البيض: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيامها، فكن حريصاً على الاقتداء به.
  • شهر الله المحرم: وهو أفضل الصيام بعد رمضان، كما قال صلى الله عليه وسلم: «أفضلُ الصيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ المحرَّمُ» (رواه مسلم).

3. القرآن الكريم: رفيق الدرب

القرآن الذي كان بين أيدينا في رمضان، لا ينبغي أن يُهجر بعده. إن هذا الكتاب هو حبل الله المتين، ونوره المبين، لا يرفع من الدنيا إلا عند قيام الساعة. اجعل لك ورداً يومياً ثابتاً، فخير الأعمال أدومها وإن قل.

4. الذكر والصدقة وفعل الخيرات

إن الله يحب إذا عمل أحدنا عملاً أن يديمه. كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم “ديمة”، أي مستمراً كالمطر الدائم. فالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والصدقات الخفية، وصلة الأرحام، كلها عبادات لا تعرف زماناً محدداً، بل هي وظيفة العمر كله.

خاتمة ودعاء

يا باغي الخير، استقم لله على طاعته، واشكره على نعمته، وداوم على عبادته حتى يأتيك اليقين. لا تكن رمضاني العبادة، بل كن رباني الاستقامة. تذكر أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى صبر ومصابرة، وأن الثبات عند الممات لا يكون إلا لمن استقام في الحياة.

نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرزقنا الثبات على دينه حتى نلقاه، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *