الانسحاب الأمريكي من سوريا: تحول دراماتيكي في مشهد السيطرة الميدانية
في تطور ميداني متسارع يعيد رسم خارطة النفوذ في الشرق السوري، بدأت ملامح الانسحاب الأمريكي من سوريا تتضح بشكل أكبر مع إخلاء اثنتين من أهم القواعد العسكرية الاستراتيجية. وأفادت التقارير الرسمية بأن وزارة الدفاع السورية تسلّمت قاعدة الشدادي العسكرية الواقعة في الريف الشمالي الشرقي للبلاد، وذلك بعد تنسيق مباشر مع القوات الأمريكية، في خطوة تأتي بالتزامن مع إعلان واشنطن إخلاء قاعدة التنف الاستراتيجية الواقعة عند مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية.
هذا التحرك العسكري يأتي بعد سنوات من التواجد الأمريكي الذي بدأ في عام 2014 ضمن تحالف دولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ورغم إعلان الهزيمة العسكرية للتنظيم في العراق عام 2017 وفي سوريا عام 2019، إلا أن القوات الأمريكية حافظت على تواجدها لضمان عدم عودة التنظيم ومراقبة التحركات الإقليمية، قبل أن تبدأ مؤخراً خطوات عملية لخفض هذا التواجد.
قاعدة الشدادي: من مركز لعمليات التحالف إلى عودة القوات الحكومية
تُعد قاعدة الشدادي، الواقعة على أطراف بلدة الشدادي بريف الحسكة، واحدة من الركائز الأساسية التي اعتمد عليها التحالف الدولي منذ عام 2016. تكمن أهمية هذه القاعدة في موقعها الجغرافي الحيوي الذي يربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، مما جعلها مركزاً لوجستياً وعسكرياً فائق الأهمية خلال العمليات ضد تنظيم الدولة.
بالإضافة إلى دورها القتالي، كانت القاعدة تضم سجناً تديره قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحتجاز عناصر التنظيم، قبل أن تتقدم القوات الحكومية السورية إلى المنطقة في الشهر الماضي تمهيداً لتسلم الموقع رسمياً. ويمثل تسليم الشدادي نقطة تحول في العلاقة الميدانية بين القوى المتصارعة وتراجعاً في مساحة النفوذ المباشر لواشنطن في مناطق شرق الفرات.
قاعدة التنف: إخلاء الموقع الجيوسياسي الأكثر حساسية
على المقلب الآخر، يبرز الانسحاب من قاعدة التنف كحدث ذو ثقل سياسي وعسكري أكبر. تقع التنف في منطقة البادية بريف حمص، وتحديداً عند نقطة التقاء الحدود السورية مع العراق والأردن، مما يمنحها سيطرة مطلقة على طريق دمشق-بغداد الدولي (M2). هذا الطريق ليس مجرد شريان تجاري، بل يُنظر إليه كعقدة استراتيجية تعترض الطموحات الإقليمية لإنشاء ممر بري يمتد من طهران وصولاً إلى بيروت.
منذ عام 2016، حولت واشنطن التنف إلى مركز تدريب لفصيل “جيش مغاوير الثورة” المعارض، وفرضت حولها منطقة حظر عسكرية بقطر 55 كيلومتراً. إن إخلاء هذا الموقع يعني تجريد القوات المعارضة من مظلة الحماية الأمريكية المباشرة وفتح الطريق أمام تغييرات جذرية في توازنات القوى عند المثلث الحدودي.
مستقبل التواجد العسكري الأمريكي: كم جندياً سيبقى؟
وفقاً لتقارير صحفية عالمية، منها ما نشرته “وول ستريت جورنال” و”نيويورك تايمز”، فإن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية تقليص عدد قواتها من نحو 1500 جندي إلى قرابة 500 جندي فقط. وتتجه الخطط الأمريكية لحصر التواجد العسكري في قاعدتي الرميلان وقصرك، اللتين تقعان ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في أقصى شمال شرق سوريا.
وتشير المعطيات المسربة إلى أن إدارة ترامب تسعى لخفض عدد القواعد من ثماني قواعد إلى قاعدة واحدة رئيسية في مناطق الشمال الشرقي بحلول منتصف عام 2025. ورغم هذا الانسحاب، أكد قائد سنتكوم الأدميرال براد كوبر أن القوات الأمريكية ستظل مستعدة للرد على أي تهديدات قد يشكلها تنظيم الدولة، مما يشير إلى تحول من استراتيجية التواجد الثابت إلى استراتيجية التدخل السريع عند الضرورة.
خاتمة: إعادة تشكيل خارطة الصراع
إن الانسحاب الأمريكي من قاعدتي الشدادي والتنف لا يمثل مجرد إعادة تموضع عسكري، بل هو إشارة قوية إلى تغير في الأولويات الاستراتيجية لواشنطن في الملف السوري. ومع تقلص مساحة السيطرة الأمريكية، تبرز تساؤلات كبرى حول قدرة قوات سوريا الديمقراطية على ملء الفراغ، ومدى تمدد القوات الحكومية السورية وحلفائها في المناطق التي تم إخلاؤها، وهو ما سيحدده شكل التنسيق الميداني في المرحلة المقبلة.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً