# البلاء نعمة من الله: حينما تكون المحنة هي عين المنة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. أما بعد؛ فإن الدنيا دار ممر لا دار مقر، ودار كد وتعب لا دار راحة ونصب، وقد جبلت على الكدر وهي تريدها صفواً، فمن عرف حقيقة الدنيا استراح من عناء التفكير في تقلب أحوالها، وعلم أن ما يصيبه فيها إنما هو بتقدير العزيز العليم.
إن الابتلاء سنة ربانية جارية، وقاعدة إلهية ثابتة، لا يشذ عنها نبي مرسل ولا ولي مقرب، بل إن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. ولكن، ومع وضوح هذه الحقيقة، إلا أن النفس البشرية في ساعة الكرب قد تضعف، وهنا يبرز دور الشيطان الرجيم الذي يتحين فرص الضعف الإنساني ليدخل منها.
مسالك الشيطان في وقت البلاء
يسلك الشيطان مع البلاء والمبتلى سبلاً كثيرة، ويهجم عليه من أبواب شتى، غايته في ذلك إفساد قلب العبد على ربه، وزعزعة يقينه، وتحويل المحنة التي أرادها الله طهوراً ورفعة إلى سخط واعتراض يورثان الخسران. ومن أخبث مسالك الابتلاء الضيقة الضاغطة على المبتلى هي تلك الوسوسة التي يدلي بها الشيطان عليه، موهماً إياه بأنه “المبتلى الوحيد” بين أقرانه ومُجايليه وأترابه.
يأتي الشيطان للمؤمن في لحظة انكساره، فيهمس في أذنه: “لماذا أنت؟ انظر إلى من حولك، الجميع في عافية وأنت في مرض، الجميع في سعة وأنت في ضيق، الجميع في سرور وأنت في حزن!” وهذا – وربي – من نوافذ الشيطان التي لا يجوز الاسترسال معها بحال، بل يجب إغلاقها بمتين اليقين وقوة الإيمان، وذلك لعدة اعتبارات إيمانية عميقة.
أولاً: البلاء محض نعمة لا نقمة
يجب على المؤمن أن يرسخ في قلبه عقيدة جازمة بأن البلاء في حقيقته نعمة جزيلة من الله سبحانه وتعالى. فهو الوسيلة التي يرفع الله بها الدرجات، ويكفر بها السيئات، ويمحص بها القلوب. إن العبد قد تكون له منزلة عند الله في الجنة لا يبلغها بعمله الصالح المحدود، فيبتليه الله في جسده أو ماله أو ولده ثم يصبره، حتى يبلغه تلك المنزلة.
فمن نظر إلى البلاء بهذه المنزلة، وعلم أن وراءه حكماً باهرة وأجوراً فاخرة، علم يقيناً أنه “معطى” لا “مبتلى”. إن الله حين يبتليك فهو لا يعذبك، بل هو يطهرك ليقربك، ويؤدبك ليرفعك. فكم من ذنب غُفر بدمعة حزن، وكم من خطيئة مُحيت بألم جسد.
ثانياً: تفاوت الناس في صنوف البلاء
من مغالطات الشيطان أن يوهمك أنك الوحيد المصاب، والحقيقة أن الدنيا كلها دار بلاء، ولكن الناس يتفاوتون في نوع البلاء تفاوتًا قطعيًا. فما تراه من عافية عند غيرك قد يخفي خلفه بلاءات لا تطيقها أنت، وما تراه من ضيق عندك قد يكون هو النجاة بعينها.
1. الابتلاء في النفس والجسد: فهذا يبتلى بمرض عضال، وذاك بضعف في البدن، وآخر بفقد حاسة من حواسه.
2. الابتلاء في المال: بين فقر مدقع، أو خسارة تجارة، أو ديون تثقل الكاهل.
3. الابتلاء في الأهل والولد: بفقد عزيز، أو عقوق ولد، أو شقاق زوجي.
4. الابتلاء في الدين: وهذا هو الأعظم خسارة والأنكى أثراً؛ كأن يبتلى العبد بالشبهات أو الشهوات، أو ينصرف قلبه عن الطاعات. فإذا سلم دينك، فكل بلاء سواه عافية.
إن إدراك هذا التنوع يجعل العبد يحمد الله على أن بلاءه لم يكن في دينه، ويجعله يبصر نعم الله الأخرى التي لا تزال تحيط به من كل جانب.
ثالثاً: الصابر محبوب عند الله
يكفي المبتلى شرفاً وفخراً أن الصبر يورث محبة الله عز وجل، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة والآيات المحكمة. فالله مع الصابرين بعونه وتوفيقه وتسديده، وهو يحب الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. هل يستوي من يمر عليه البلاء فيسخط فيُسخط الله عليه، ومن يمر عليه البلاء فيصبر ويرضى فيرضى الله عنه؟ إن محبة الله هي الغاية التي شمر إليها المشمرون، والبلاء هو أحد أقصر الطرق للوصول إليها لمن أحسن الأدب مع الله.
رابعاً: لذة المناجاة وقرب القلوب
من أعظم أسرار البلاء أن الله يعطي معه دعاءً وقرباً منه، ولذة في المناجاة لا ينالها أولئك الذين لم يبتلوا. إن القلب في حال الصحة والرخاء قد يغفل، وقد يصيبه الكبر أو الاستغناء، لكنه في حال البلاء ينكسر، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو منكسر القلب بين يديه.
كم من بعيد عن ربه لم يعرف طريق المسجد إلا بعد مصيبة هزت كيانه! وكم من لاهٍ لم يذق طعم السجود بخشوع إلا بعد فقدٍ أوجعه! إن البلاء يرقق القلوب القاسية، ويفتح أبواب السماء بالدعاء المضطر، وكم قرّب البلاء بعيداً من ربه، حتى صارت المحنة في حقه هي أعظم منحة نالها في حياته.
خامساً: كيد الشيطان لا يغير القدر
يجب أن يعلم المؤمن أن هذا الكيد الشيطاني، والاعتراض النفسي، والضيق القلبي، لا يقرّب رزقاً فات، ولا يؤخر قضاءً نزل، ولا يجلب نفعاً مفقوداً. إن الجزع لا يرد القدر، بل يذهب بالأجر. فالعاقل هو من يعلم أن القضاء نافذ لا محالة، فإما أن ينفذ وهو صابر مأجور، وإما أن ينفذ وهو ساخط مأزور.
إن الشيطان يريدك أن تخسر الدنيا بالبلاء، وتخسر الآخرة بالسخط، فكن أكيس منه، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً.
مشهد القيامة وكرامة أهل البلاء
ويكفي في تسلية المبتلى أن يعلم عظيم ما ادّخره الله له من أجر وثواب ومنازل عالية في جنات النعيم، وهي منازل قد لا يبلغها بعمله الصالح من صلاة وصيام، فأراد الله الرحيم به أن يبلغه إياها بهذا البلاء.
فإذا قدم العبد إلى ربه يوم القيامة، ورأى كرامة الله له، وشاهد عيانًا تلك القصور والدرجات التي نالها بصبره على مرضه، أو فقره، أو فقده، فحينئذ يوقن يقيناً لا يخالطه شك أن الله أعطاه من حيث ظن أنه حرَمَهُ، وأنه أكرمه من حيث ظن أنه ابتلاه.
وقد روى الترمذي عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يَوَدُّ أَهلُ العافية يوم القيامة حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لو أن جُلُودَهُم كانت قُرِّضَت في الدنيا بالمَقَارِيضِ».
تأمل في هذا المشهد المهيب؛ أهل العافية الذين عاشوا في الدنيا بلا أوصاب ولا أوجاع، حين يبرز أهل البلاء وقد غمرتهم رحمة الله وتجلت عليهم كرامته، يتمنون لو أنهم ذاقوا أشد أنواع العذاب الجسدي في الدنيا (تقريض الجلود بالمقاريض) فقط لينالوا مثل ذلك الثواب.
خاتمة وتوجيه
أيها المبتلى الصابر، إنك في رعاية الله، وإن عين الله ترعاك، فلا تظنن بربك ظن السوء، ولا تسمع لوساوس الشيطان التي توهمك بفرادة مصابك. بل انظر إلى من هو أشد منك بلاءً، واحمد الله على العافية فيما بقي، واصبر على ما فات، واعلم أن الدنيا ساعة فاجعلها طاعة، وأن البلاء ضيف ثقيل لكنه يرحل محملاً بالهدايا والكنوز لمن أحسن ضيافته بالصبر والرضا.
اجعل شعارك دائماً: “رضيت بالله رباً”، وثق أن اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك، فالله يعلم وأنت لا تعلم، وهو أرحم بك من أمك التي ولدتك. نسأل الله أن يفرغ علينا صبراً، وأن يتوفنا مسلمين، وأن يجعل بلاءنا رفعة لنا في الدنيا والآخرة.
—
*بقلم: عبد الرحمن السبهان (بتصرف وإضافة)*

اترك تعليقاً