مقدمة: في ظلال التحولات الكبرى ورص الصفوف
الحمد لله الذي جعل في تكاتف المؤمنين قوة، وفي اجتماع كلمتهم هيبة، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وملحمة الصمود، الذي علمنا أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً. إن الأمة الإسلامية اليوم تمر بمرحلة مفصلية من تاريخها المعاصر، حيث تتبدل موازين القوى العالمية، وتنكفئ القوى التقليدية عن التزاماتها، مما يضع دول المركز في العالم الإسلامي أمام مسؤولية شرعية وتاريخية لسد العجز وحماية بيضة الإسلام.
في هذا السياق، يبرز التحالف السني الجديد ليس كخيار ديبلوماسي عابر، بل كضرورة وجودية تفرضها اللحظة الراهنة، حيث تشهد المنطقة ما يُعرف بـ “الفراغ الإستراتيجي”. هذا الفراغ الذي خلّفه تراجع الدور الأمريكي وتحول بوصلة واشنطن نحو الشرق الآسيوي، استوجب نهضة سعودية رائدة لإعادة هندسة المشهد الإقليمي، وبناء سياج أمني يجمع بين القوة العسكرية والشرعية الدينية والازدهار الاقتصادي.
أولاً: رياح التغيير وسد ثغرات الانكفاء الإستراتيجي
تشير القراءات العميقة في مراكز الفكر العالمية إلى أن السياسة الأمريكية لم تعد تنظر إلى منطقتنا بوصفها ميداناً للانخراط الإستراتيجي طويل الأمد، بل ساحة لإدارة المخاطر بأقل التكاليف. هذا التوجه، الذي يُوصف بـ “تقليص الالتزامات العسكرية”، وضع أمن المنطقة في مهب الريح، مما دفع المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة، إلى إدراك أن غياب الضمانات الخارجية يفرض بالضرورة البحث عن مقاربات بديلة تنبع من صلب الأمة.
إن التحرك السعودي نحو بناء تحالفات متعددة الأقطاب هو استجابة واعية لمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى عارمة. فالمملكة، بما حباها الله من شرف رعاية الحرمين الشريفين، وثقل اقتصادي عالمي، وموقع جغرافي يربط القارات، تتقدم اليوم كركيزة استقرار لا غنى عنها، وقاطرة تقود العالم الإسلامي نحو بر الأمان، بعيداً عن الارتهان لقوى خارجية لا تراعي إلا مصالحها الضيقة.
ثانياً: ركائز التحالف الثلاثي (السعودية، تركيا، باكستان)
يقوم التحالف السني الجديد على أعمدة صلبة تجمع بين القوة النووية، والتقدم الصناعي العسكري، والثقل المالي والديني. هذا التكامل يمثل توازناً فريداً في تاريخ التحالفات الإقليمية:
1. العمق الإستراتيجي والردع النووي (باكستان): تمثل باكستان، الدولة الإسلامية النووية الوحيدة، عمقاً ردعياً حاسماً. والاتفاقية الدفاعية الموقعة في سبتمبر 2025م بين الرياض وإسلام آباد، والتي تنص على أن الهجوم على أحدهما هو هجوم على الآخر، ليست مجرد حبر على ورق، بل هي تجسيد لمبدأ الجسد الواحد في مواجهة التهديدات الخارجية.
2. الريادة الصناعية والخبرة الميدانية (تركيا): تقدم تركيا، بعضويتها في حلف الناتو وخبرتها العسكرية المتقدمة في ساحات متعددة، تكنولوجيا دفاعية متطورة. الصفقات الكبرى مع شركات مثل “بايكار” لتوطين صناعة الطائرات المسيّرة “أكنجي” داخل المملكة، تعكس رغبة صادقة في تقليل الاعتماد على الغرب وبناء قوة ذاتية تحمي الحمى.
3. المركزية الدينية والاقتصادية (السعودية): هي القلب النابض لهذا التحالف، حيث توفر الغطاء الشرعي والسيولة المالية والقيادة الرصينة التي تجمع الشتات وتوحد الرؤى تجاه قضايا الأمة الكبرى.
ثالثاً: الصناعات الدفاعية.. نحو استقلال القرار السيادي
لم يعد التعاون العسكري مجرد مناورات عابرة، بل تحول إلى شراكات بنيوية في التصنيع العسكري. إن دخول شركة الصناعات العسكرية السعودية (SAMI) في اتفاقيات نقل تكنولوجيا مع كبريات الشركات التركية مثل “أسيلسان” و”نوول ماكينا”، يهدف إلى توطين نسبة كبيرة من الإنفاق الدفاعي قبل نهاية العقد الحالي. هذا التوجه هو ترجمة عملية لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، حيث يدرك القائمون على هذا التحالف أن القوة التي لا تُصنع محلياً تظل منقوصة السيادة.
رابعاً: مواجهة مشاريع التفتيت والولاءات المتشابكة
في مقابل هذا البناء الوحدوي، يبرز تحدٍ خطير يتمثل في المحاولات الساعية لإعادة هندسة المنطقة عبر مسارات تخدم أجندات غريبة عن روح الأمة. إن ما يُوصف بالتحالف “الإماراتي – الصهيوني” يسعى، من خلال أدوات محلية ووكلاء إقليميين، إلى بسط نفوذ مشبوه في الممرات البحرية الحيوية والموانئ الإستراتيجية.
إن هذا المشروع، الذي يتمدد في اليمن والسودان والصومال، يمثل خطراً داهماً على الأمن القومي العربي والإسلامي، حيث:
- في اليمن: يتم دعم النزعات الانفصالية التي تضعف الدولة المركزية وتهدد أمن البحر الأحمر.
- في الصومال: تُبنى القواعد البحرية لخدمة مصالح ضيقة تفتح الباب أمام تغلغل القوى المعادية في مضيق باب المندب.
- في السودان: تُدعم المليشيات التي تسعى لتفتيت وحدة البلاد ونهب ثرواتها، مما يؤدي إلى فوضى تمس أمن الجوار السعودي بشكل مباشر.
من هنا، يأتي التحالف السني الجديد كحائط صد أمام هذه المشاريع التي تهدف إلى تفكيك الدولة القومية واستبدالها بشبكات نفوذ عابرة للحدود، تضمن بقاء القوى المحتلة في موقع الميمنة والسيطرة.
خامساً: توازن القوى ورسم خارطة المستقبل
إن المشهد الإستراتيجي اليوم يُعاد تشكيله بعيداً عن الهيمنة الأحادية. فبينما تعاني قوى إقليمية أخرى من وطأة العقوبات والارتباك، تبرز الكتلة السنية بقيادة المملكة كقوة توازن قادرة على إدارة الصراعات بحكمة واقتدار. هذا التحالف لا يسعى للمواجهة من أجل المواجهة، بل يتبنى سياسة الردع المتوازن، والحوار المحدود الذي يحفظ استقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية.
إن القلق الصهيوني من الفراغ الأمريكي، وتآكل الإجماع السياسي في واشنطن تجاه دعم الاحتلال، يجعل من موازين القوى تميل لصالح هذه الكتلة الإسلامية الصاعدة، التي ترفض التطبيع غير المشروع وتتمسك بحقوق الأمة وثوابتها.
خاتمة: وحدة الصف فريضة وضرورة
ختاماً، إن التحالف السني الجديد هو رسالة أمل للأمة الإسلامية في زمن الغربة والتحولات. إنه برهان على أن دولنا المركزية قادرة على أخذ زمام المبادرة وصناعة قدرها بيدها. إن التحديات المحيطة بنا في البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، وقلب الشرق الأوسط، تتطلب منا مزيداً من التلاحم خلف هذه الرؤية الإستراتيجية التي تجمع بين القوة المادية والسمو الروحي.
نسأل الله أن يبارك في هذه الجهود، وأن يجعل هذا التحالف ذخراً للإسلام والمسلمين، وحصناً منيعاً يحمي الديار ويصون المقدسات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. إن الطريق نحو أمن إقليمي مستدام يبدأ من هنا، من وحدة الكلمة، وقوة الساعد، والتوكل على الله في كل خطوة ومسار.
بقلم: خبير المحتوى الإستراتيجي

اترك تعليقاً