مقدمة: الإنسان والآلة في ميزان الشريعة
نعيش اليوم إرهاصات ثورة تقنية كبرى تتجاوز حدود الجسد لتنفذ إلى أعماق العقل البشري، حيث تبرز تقنيات “الواجهة الدماغية الحاسوبية” (Brain-Computer Interface – BCI) كواحدة من أكثر الابتكارات إثارة للجدل الفقهي والأخلاقي. إن هذه التقنية التي تسمح بالاتصال المباشر بين الدماغ والأجهزة الخارجية، تفتح آفاقاً مذهلة لعلاج الشلل وترميم الحواس، لكنها في الوقت ذاته تثير تساؤلات جوهرية حول ماهية “العقل” الذي كرمه الله، ومدى قدسية الخصوصية الذهنية، وكيفية تحديد مناط التكليف حين تختلط الإرادة البشرية بالخوارزميات الرقمية.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ” (الإسراء: 70)، ومن أعظم مظاهر هذا التكريم هو العقل الذي هو مناط التكليف وأساس المسؤولية. لذا، فإن دراسة التكييف الفقهي لهذه النوازل المعاصرة ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة شرعية لحماية الإنسان ومقاصد الشريعة الخمسة، وعلى رأسها حفظ العقل وحفظ النفس.
المحور الأول: التكييف الفقهي لتقنية BCI (الأصل والضوابط)
من الناحية الفقهية، يمكن تكييف تقنيات الواجهة الدماغية الحاسوبية ضمن باب “الوسائل”، والقاعدة الفقهية تقول: “لِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ”. فإذا كان المقصد من استخدام هذه التقنية هو التداوي واستعادة وظائف جسدية مفقودة، فهي تدخل في دائرة الندب أو الإباحة، بل قد تصل إلى الوجوب إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ حياة أو عضو.
1. إباحة التداوي ورفع الحرج
استخدام هذه التقنيات لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة ينسجم مع مقاصد الشريعة في رفع الحرج، قال تعالى: “مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ” (المائدة: 6). فالشريعة تحث على التداوي كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً” (رواه الترمذي).
2. الحذر من تغيير خلق الله
أما إذا استخدمت هذه التقنيات لغرض “التحسين” الجيني أو العقلي المفرط الذي يخرج الإنسان عن طبيعته السوية، أو ما يعرف بـ “الإنسانية الفائقة” (Transhumanism)، فهنا يبرز محذور “تغيير خلق الله” المنهي عنه شرعاً، وهو ما يتطلب وضع حدود دقيقة بين الترميم الطبي والتحوير العبثي.
المحور الثاني: حرمة الخصوصية العقلية وحق “الستر الذهني”
تعتبر الخصوصية في الإسلام قيمة عليا، وقد حمى الشرع خصوصية البيت والبدن والمراسلات، فكيف بخصوصية الأفكار والخواطر؟ إن تقنيات BCI قادرة على قراءة الإشارات الدماغية وتحليلها، مما قد يؤدي إلى “هتك الستر” عن بواطن الإنسان.
لقد قرر الفقهاء أن ما يدور في النفس من خواطر وأفكار لا يحاسب عليه المرء ما لم يتكلم أو يعمل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم” (متفق عليه). ومن هنا، فإن استخراج هذه الخواطر عبر أجهزة تقنية دون إذن صاحبها، أو استخدامها ضده، يعد انتهاكاً لسيادة العقل التي منحها الله للإنسان.
- منع التجسس الرقمي: عموم قوله تعالى “وَلَا تَجَسَّسُوا” (الحجرات: 12) يشمل التجسس على الأفكار والبيانات العصبية.
- ملكية البيانات العصبية: البيانات المستخرجة من الدماغ هي ملك لصاحبها، ولا يجوز للشركات أو الجهات الحكومية الاطلاع عليها إلا لضرورة شرعية معتبرة وبضوابط صارمة.
المحور الثالث: أثر تقنيات BCI على مناط التكليف والمسؤولية
مناط التكليف في الشريعة هو العقل والاختيار. فإذا تدخلت التقنية في توجيه الإرادة أو التلاعب بالقرار، فكيف نكيف المسؤولية؟
1. شبهة الإكراه التقني
إذا حدث اختراق (Hacking) للواجهة الدماغية وتم توجيه الشخص للقيام بفعل محرم أو جناية، فإن الحكم الفقهي يتجه هنا إلى اعتبار الشخص “مكرهاً” أو “آلة” في يد المخترق. القاعدة الفقهية تقول: “لا تكليف إلا بمقدور”، فإذا سُلب العبد القدرة على التحكم في إشاراته الدماغية، ارتفع عنه القلم في تلك اللحظة، وتوجهت المسؤولية الجنائية بالكامل نحو المحرض أو المخترق.
2. المسؤولية عن أفعال “النية”
في حال ارتكب الشخص جناية عبر جهاز يتم التحكم فيه بالدماغ (مثل تحريك ذراع آلية لضرب شخص ما)، فإن العبرة هنا بـ “القصد الجنائي”. هل كانت النية الذهنية موجهة للاعتداء فعلاً؟ أم أن الجهاز أخطأ في تفسير الإشارة الدماغية؟ هذا يتطلب “تحقيق مناط” دقيقاً من قبل خبراء التقنية والقضاة، حيث إن الخطأ التقني ينقل الفعل من العمد إلى الخطأ، مما يغير نوع العقوبة والدية.
المحور الرابع: الضوابط الشرعية المقترحة للتعامل مع BCI
لضمان بقاء هذه التقنيات في خدمة البشرية دون المساس بكرامة الإنسان، يجب مراعاة الضوابط التالية:
- ضابط الضرورة والحاجة: أن يقتصر الاستخدام الواسع على الأغراض الطبية والبحثية المثمرة، مع تضييق الدائرة في الاستخدامات الترفيهية التي قد تضر بالدماغ.
- ضابط الرضا المتبصر: لا يجوز زرع أو ربط أي جهاز بالدماغ إلا بعد فهم كامل للمخاطر، وبموافقة صريحة من المكلف.
- ضابط الأمان الرقمي: يجب شرعاً وقانوناً على المصنعين توفير أعلى مستويات التشفير لمنع “الاختطاف الذهني”.
- ضابط عدم الإضرار: تطبيق قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، فإذا ثبت أن الذبذبات الصادرة عن الأجهزة تؤثر على خلايا الدماغ أو الصحة النفسية على المدى الطويل، وجب منعها.
خاتمة: نحو فقه استشرافي للتقنيات الناشئة
إن تقنيات الواجهة الدماغية الحاسوبية تمثل فصلاً جديداً من فصول الاستخلاف البشري في الأرض، وهي تؤكد أن الشريعة الإسلامية بمرونتها وقواعدها الكلية قادرة على استيعاب أدق تفاصيل التطور العلمي. إن الحفاظ على “الخصوصية العقلية” وحماية “الإرادة الحرة” هما حجر الزاوية في التكييف الفقهي لهذه التقنية.
نخلص إلى أن الأصل في هذه التقنيات هو الإباحة والندب حين تكون وسيلة للعلاج والتمكين، ولكنها تصبح محرمة حين تتحول إلى أداة للسيطرة على البشر أو انتهاك حرماتهم الذهنية. إن واجب العلماء والمفكرين اليوم هو العمل جنباً إلى جنب مع المتخصصين في علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي لصياغة ميثاق أخلاقي وشرعي يضمن أن تظل “الآلة” في خدمة “الإنسان”، لا أن يصبح الإنسان عبداً للخوارزمية.
ختاماً، إن العلم النافع هو الذي يقود إلى خشية الله وخدمة خلقه، كما قال سبحانه: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ”، وصيانة العقل البشري هي صيانة لجوهر التكريم الإلهي.

اترك تعليقاً