الحرص في طلب العلم: طريقك المختصر لسيادة الدنيا والآخرة

# الحرص في طلب العلم: بوابتك نحو الرفعة والتمكين

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

حقيقة العلم ومشقة الطريق

يا طالب العلم، اعلم -يرحمك الله- أن الطريق الذي سلكته هو أشرف الطرق، ولكن لا بد أن تدرك حقيقة كبرى قبل أن تضع قدمك في هذا المسلك؛ وهي أن العلم ليس بالأمر الهين، ولا بالمطلب السهل الذي يُنال بالتمني أو بالراحة. إن العلم جوهر نفيس، والنفائس لا تُدرك إلا بمكابدة الصعاب وبذل الغالي والنفيس.

لقد أدرك سلفنا الصالح هذه الحقيقة، فبذلوا أعمارهم وأوقاتهم في سبيل آية يتعلمونها أو حديث يروونه. ولهذا قال بعض السلف كلمة سارت بها الركبان، وصارت دستوراً لكل من أراد المعالي: “العلم لا ينال براحة الجسم”. فمن أراد أن يستريح، ومن جعل همّه في رغد العيش وهدوء البال والخلود إلى النوم والراحة، فلا يخدعنّ نفسه، ولا يقل إنه طالب علم؛ فإن طالب العلم الحقيقي هو الذي يهجر مضجعه، ويجافي نومه، ويصبر على الجوع والفقر والغربة في سبيل نيل مراده.

إن العلم يحتاج إلى تعب، ويحتاج إلى سهر، ويحتاج إلى فكر يكدح، وقلب يتوق. فإذا كنت تظن أنك ستحصل على ميراث النبوة وأنت متكئ على أريكتك، فأنت واهم. إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، وانظروا كيف تبذلون في سبيله.

حبس النفس: من المشقة إلى السجية

إن طالب العلم في بداية أمره قد يجد مشقة عظيمة في حبس نفسه على الكتاب، وفي لزوم حلق الذكر، وفي الصبر على ساعات البحث والمذاكرة. فالنفس بطبيعتها تميل إلى التفلت، وتحب اللهو واللعب، وتكره القيود. ولكن، هنا تظهر حقيقة العزيمة؛ فلا بد لطالب العلم أن يكون طالباً للحق على سبيل الحقيقة، لا على سبيل المجاز أو التسلية.

في أول الأمر، سيشق عليك أن تحبس نفسك على العلم، وستنازعك نفسك للذهاب هنا وهناك. ولكن، إذا جاهدت نفسك، واعتدت هذا الحبس، وصبرت على هذا القيد الجميل، فسيحدث أمر عجيب: سيتحول هذا الحبس إلى سجية، وتلك المشقة إلى لذة، ويصبح العلم طبيعة لك لا تستطيع الفكاك منها.

لقد جربنا هذا، وجربه غيرنا من أهل العلم؛ فإذا حبست نفسك على العلم، فإنك ستجد أنك إذا فقدت ذلك الحبس يوماً ما، أو تأخرت عنه لظرف طارئ، شعرت بضيق في صدرك، وكأنك سجين أُخرج من جنته. إن الاعتياد على الجد يولد في النفس قوة وإرادة، تجعل من طلب العلم جزءاً لا يتجزأ من كيانك البشري. أما إذا عودت نفسك الإهمال، وتركت الحبل على الغارب، وعدمت المبالاة بالتحصيل، فاعلم أنك ستبقى في حالة من التيه والضياع.

خطورة الفتور: تشبيه بليغ

يجب أن يحذر طالب العلم من حالة الفتور والضياع التي قد تصيبه، وهي الحالة التي وصفها العلماء بتشبيه دقيق ومؤثر. إن الذي لا يجدّ في طلب العلم، ويقضي وقته في إهمال، يبقى كالمريض بمرض “السل المؤنث” -كما يعبر البعض في الأمثال-.

فإن “السل المذكر” -عافانا الله وإياكم- صاحبه لا يبقى طويلاً، بل يشتد عليه المرض في شهرين أو ثلاثة ثم يرحل إلى المقبرة، فيرتاح ويُراح منه. ولكن البلاء كل البلاء في “السل المؤنث”؛ حيث يبقى المريض فيه سنوات عديدة، يعاني الألم والضعف، فهو ليس بالحي الذي يرجى نفعه ويقوم بشأنه، ولا بالميت الذي يُنعى ويُستراح من عنائه.

وهكذا هو حال طالب العلم الذي لا يملك حرصاً ولا جدية؛ يبقى سنوات طوال يتردد على الدروس دون تحصيل، ويقرأ الكتب دون فهم، ويحضر المجالس دون أثر. إنه يبقى “لا حياً ولا ميتاً” في عالم العلم؛ فلا هو حاز رتبة العلماء، ولا هو بقي في صفوف الجهال العاميين. فالله الله على الحرص في طلب العلم! لا ترضوا لأنفسكم بهذه الحالة المتردية، واجعلوا همتكم تناطح السحاب.

استغلال الشباب: فرصة العمر

يا معشر الشباب، إنكم في مرحلة هي أثمن مراحل العمر، وهي ربيع الحياة الذي لا يعود. فالله الله في شبابكم! إن الحرص في طلب العلم في هذه المرحلة هو الذي سيثمر لكم السيادة والراحة في المستقبل. إنكم وإن أتعبتم أجسامكم الآن، وسهرتم الليالي، وأجهدتم أنفسكم في الحفظ والمراجعة، فستجدون الراحة والنتيجة والتحصيل فيما بعد.

ثقوا تماماً أن الذاكرة في مرحلة الشباب تكون في أوج قوتها، فما يحفظه الشاب اليوم يبقى محفوراً في قلبه كالنحت في الحجر، لا ينساه بإذن الله مهما تقادمت به السنون. أما إذا تقدمت بكم السن، وكثرت الشواغل، وتزاحمت المسؤوليات، فإنكم ستجدون أنكم تدرسون اليوم وتنسون غداً.

نعم، قد يكون الإنسان إذا تقدم في العلم والسن أقدر على الفهم، وأوسع في الإدراك، وأدق في الاستنباط، ولكن في باب الحفظ والضبط، فلا شيء يعدل حفظ الصغير والشاب أبداً. فاحرصوا -بارك الله فيكم- على استغلال هذه القوة قبل الضعف، وهذا الفراغ قبل الشغل.

العلم نزهة القلوب

قد يظن البعض أن طالب العلم يعيش في كبد دائم وضيق مستمر، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك تماماً. إن طالب العلم في نزهة، ولكنها ليست كنزهات الدنيا الفانية؛ بل هي “نزهة العلوم”.

تأمل في جمال هذا الدين وتنوع علومه، ستجد أنك في بستان عظيم، فيه من كل فاكهة زوجان. فمرة تتنزه في رياض الفقه لتعرف الحلال والحرام وتعبد الله على بصيرة، ومرة ترحل إلى واحات الحديث لتقتفي أثر النبي صلى الله عليه وسلم وتعيش مع سنته. ومرة تقف عند ظلال التفسير لتدبر كلام رب العالمين، ومرة ترتقي في معارج التوحيد لتخلص قلبك لخالقك، ومرة تجول في فنون النحو واللغة لتقيم لسانك وتفهم خطاب ربك.

إنها ثمرات متنوعة، ولذات متجددة، فليكن نزهتكم هذا العلم، وليكن أنسكم في هذه الكتب. إن الذي يذوق حلاوة العلم يجد فيه من اللذة ما لا يجده أهل اللهو في لهوهم، ولا أهل المال في مالهم.

الخاتمة والدعاء

أيها الطلاب الأعزاء، إن كنتم تريدون العلم حقاً، فلا بد من الانكباب عليه، والاجتهاد فيه، وترك التواني والكسل. أما إذا كان القصد هو مجرد قطع الوقت، أو التظاهر بطلب العلم، فهذا شأن آخر لا يسمن ولا يغني من جوع.

إن الطريق واضح، والهدف سامٍ، والثمن هو الجد والاجتهاد. فاصبروا وصابروا ورابطوا، واعلموا أن عاقبة الصبر حميدة، وأن ما تزرعونه اليوم من تعب ستحصدونه غداً رفعة في الدنيا ودرجات في الجنة.

أسأل الله العلي القدير، رب العرش العظيم، أن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يجعلنا من عباده المخلصين الذين يطلبون العلم لوجهه الكريم، ويصبرون على مشاقه لنيل رضوانه. اللهم وفقنا لما تحب وترضى، وخذ بنواصينا للبر والتقوى، واجعل علمنا حجة لنا لا علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *