من أعظم المحن التي قد تُبتلى بها المجتمعات، وتنهار بسببها عرى الأخلاق والقيم، هي وقوع المرء في وحل الفواحش التي يظنها لذة عابرة، بينما هي في حقيقتها معول هدم للبيوت وسبب لمقت الخالق سبحانه. وفي الأثر العظيم المروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، نجد تشريحاً دقيقاً لمراتب هذه الفاحشة، وكشفاً مرعباً لما ينتظر مرتكبيها من فضيحة أمام الأشهاد، حيث تتجسد الذنوب في صور حسية تؤذي كل من في المحشر. إن هذا المقال يسعى لاستنطاق المعاني العميقة في ذلك الأثر، واستبصار الحِكم الشرعية والوعظية التي تُحذر المؤمن من مغبة الاستهانة بحدود الله، وخاصة في باب الزنى وما يترتب عليه من إفساد للأواصر الاجتماعية والروابط الزوجية.
مراتب الإثم وتفاوت الفظاعة في جريمة الزنى
حين سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه أصحابه عن “أعظم الزنى”، لم يكن يقصد التخفيف من شأن الزنى بشكل عام، فكل الزنى فاحشة وساء سبيلاً، وكل صوره توجب غضب الله ومقت خلقه. ولكن الفقه العميق لمراد الله تعالى يقتضي إدراك أن السيئات تتفاوت في قبحها بناءً على ما يقترن بها من تعدٍ إضافي. ففي الوقت الذي أقر فيه الحاضرون بأن الزنى كله عظيم، جاء التوجيه العلوي ليضع الإصبع على الجرح الغائر في جسد الأمة، وهو الزنى بزوجة الرجل المسلم.
إن هذا النوع من الفواحش لا يتوقف عند حد انتهاك العرض الفردي، بل هو عدوان مركب يتضمن:
- خيانة الأمانة: فالمسلم مأمور بحفظ أخيه في ماله وعرضه وغيبته، والاعتداء على زوجته هو ذروة الغدر بعهد الأخوة الإيمانية.
- هدم كيان الأسرة: الزنى بالمتزوجة يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وإفساد الود بين الزوجين، وتدمير محضن التربية للأبناء، مما ينتج عنه تشرذم أسري لا تُحمد عقباه.
- تجاوز الحرمة المركبة: فالمجني عليه هنا ليس شخصاً واحداً، بل هو الزوج الذي أُفسدت عليه سكينته، والزوجة التي هُتكت حصانتها، والمجتمع الذي تلوثت قيمه.
- حرمة البيوت فوق كل اعتبار: يجب أن يدرك المرء أن التعدي على حقوق الآخرين في أهاليهم ليس مجرد ذنب شخصي، بل هو عدوان على المجتمع بأسره، وهو نوع من المحاربة لله ولرسوله بإشاعة الفساد.
- الستر في الدنيا لا يعني النجاة في الآخرة: قد ينجح الزاني في إخفاء فعلته عن أعين الناس، وقد يتفنن في التستر خلف الشاشات أو الجدران، ولكن “الريح المنتنة” في الآخرة كفيلة بهتك كل ستر لم يُبنَ على تقوى الله.
- عالمية الأثر المترتب على المعصية: كما رأينا كيف تأذى البر والفاجر من ريح الزناة، فإن المعاصي في الدنيا تؤذي الصالحين بآثارها الاجتماعية والمادية والروحية، مما يستوجب التعاون على محاربة هذه الرذائل.
- قيمة العفة والنزاهة: في مقابل هذا القبح الذي يصيب الزناة، نجد أن العفة هي الطيب الحقيقي الذي يرفع قدر المرء في الدنيا والآخرة، وهي الحصن الحصين الذي يحمي الإنسان من الوقوف في مقام الخزي والنتن.
لقد وصف علي رضي الله عنه هذا الفعل بأنه “إفساد”، والإفساد مصطلح قرآني نبوي يدل على تحويل الصلاح إلى فساد عريض، حيث تتحول العلاقة الزوجية التي بناها الله على المودة والرحمة إلى ساحة من الشك والريبة والخيانة بسبب نزوة عابرة لشخص لم يرقب في مؤمن إلاً ولا ذمة.
الريح المنتنة: تجسيد الخبث المعنوي في صورة حسية
ينتقل الأثر إلى مشهد من مشاهد يوم القيامة، حيث تتكشف الحقائق وتظهر الخفايا. فالذنوب التي كان الزناة يرتكبونها في الخفاء، متسترين بظلام الليل أو بعيداً عن أعين الرقباء، ستفوح رائحتها في أرض المحشر. يصف الأثر “ريحاً منتنة” تُرسل على الناس، وهذه الريح ليست مجرد رائحة كريهة عادية، بل هي ريح بلغت من النتن والقبح حداً تأذى منه “كل بر وفاجر”.
إن في تأذي الأبرار من هذه الريح إشارة إلى هول الموقف؛ فالصالحون الذين طهروا أنفسهم في الدنيا بذكر الله والعمل الصالح، يُضطرون في ذلك الموقف العصيب إلى استنشاق خبث أعمال الزناة. وهذا يجسد فكرة “الفضيحة الكبرى”، حيث يصبح ذنب الزاني عبئاً حسياً على كل من حوله، فلا يقتصر أثره عليه وحده، بل يمتد ليخنق الأنفاس ويضيق الصدور في وقت يحتاج فيه الناس إلى كل نسمة أمل أو رحمة.
وتعبر عبارة “حتى ألمت أن تمسك بأنفاس الناس كلهم” عن بلوغ الضيق مداه، وهي صورة بلاغية تصور حال الخلق وهم يكادون يختنقون من هذا النتن المنبعث من عورات أولئك الذين لم يستحوا من ربهم في الدنيا، ففضحهم الله برائحة أفعالهم في الآخرة.
المنادي الإلهي: كشف المستور وإعلان الخزي
في لحظة الذروة من ذلك التأذي العام، يرتفع صوت منادٍ يسمعه جميع الخلائق، ليجيب عن التساؤل المرير الذي يتردد في صدور الناس: “ما هذه الريح التي قد آذتكم؟”. إن هذا السؤال الاستنكاري ليس لطلب المعرفة، فالمنادي يعلم، ولكن لإقامة الحجة وإيقاع الهيبة في قلوب السامعين.
الإجابة تأتي صاعقة: “ألا إنها ريح فروج الزناة”. وهنا تكتمل دائرة الفضيحة، إذ يُنسب هذا النتن إلى مصدره المباشر. فالعضو الذي عُصي الله به في الدنيا، صار هو المنبع الذي يخرج منه البلاء في الآخرة. وفي هذا الجزاء من جنس العمل حكمة بالغة؛ فكما استلذ الزاني بلذة محرمة في الخفاء، فإنه يُعذب بمرارة الفضيحة في العلن، وكما تلطخ بالنجاسة المعنوية، فإنه اليوم يتلطخ بالنجاسة الحسية التي تُنفر منه كل الوجود.
هذا النداء يمثل الفصل بين الخفاء والعلن، وبين التستر والاشتهار بالسوء. إنه إعلان رسمي أمام مليارات البشر بأن هؤلاء هم الذين خانوا العهود، وانتهكوا الحرمات، ولم يقدروا الله حق قدره.
الإصرار على المعصية وتضييع فرصة التوبة
يشير الأثر بوضوح إلى صنف معين من الزناة وهم: “الذين لقوا الله بزناهم، ولم يتوبوا منه”. هذه الجملة تفتح باباً للأمل من جهة، وتوصد أبواباً من الجحيم من جهة أخرى. فالتوبة هي الممحاة التي ترفع هذا النتن وتقي العبد من ذلك الخزي. ولكن المصيبة تكمن فيمن استمرأ الفاحشة، وظل يمارسها دون ندم أو إياب حتى وافاه الأجل وهو على تلك الحالة القبيحة.
إن لقاء الله بالزنى يعني أن العبد لم يطهر نفسه بماء الاستغفار، ولم يغسل أدران قلبه بدموع الندم. وبناءً عليه، فإن بقاء هذا الأثر القبيح يوم القيامة هو نتيجة طبيعية لبقاء خبث المعصية في الروح دون معالجة شرعية في الدنيا. وهذا يدفع كل مؤمن إلى المسارعة بالتوبة من كل هفوة، والفرار إلى الله قبل أن تخرج الروح وتنقضي فرص التغيير، فتصبح المعصية رداءً لا ينزع عنه يوم العرض.
الصرف المهين: غياب الملاذ والحيرة الكبرى
تختتم الرواية بمشهد يبعث على الرهبة الشديدة، حيث يقول الأثر: “ثم يُصرفُ بهم، فلم يُذكرْ عند الصرف بهم جنةٌ ولا نارٌ”. هذا السكوت عن المصير النهائي في هذا السياق بالذات يحمل في طياته تخويفاً لا يوصف. فعدم ذكر الجنة أو النار عند صرفهم يشير إلى عدة دلالات وعظية:
1. حالة الترقب والضياع: أنهم في حالة من الهوان بحيث لا يُلتفت إليهم التفاتة تشريف بذكر مصير واضح في تلك اللحظة، بل هم في غمرة فضيحتهم يُساقون إلى حيث يشاء الله.
2. عظمة الجرم: كأن الذنب من بشاعته جعل الكلام عن المصير يتضاءل أمام قبح الفضيحة التي سبقت.
3. شدة الغضب الإلهي: فالسكوت أحياناً يكون أبلغ من الكلام، وترك مصيرهم مجهولاً في الرواية يزرع في قلب القارئ خشية تجعله لا يفكر في الإقدام على هذا الفعل أبداً.
إن هؤلاء الذين أفسدوا بيوت المسلمين، وانتهكوا حرمات إخوانهم، ولقوا الله دون توبة، يجدون أنفسهم في نهاية المطاف مطرودين من دائرة الذكر الحسن، غارقين في نتن أفعالهم، يُساقون إلى مصيرهم وهم في أرذل حال وأقبحه.
دروس وعظية وحقائق اجتماعية مستلهمة
من خلال هذا العرض المتعمق لأثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يمكننا استخلاص مجموعة من الدروس والحقائق التي يجب أن يعيها كل مسلم ومسلمة:
إن هذا الأثر يمثل صرخة تحذير لكل نفس أمارة بالسوء، ولكل قلب غافل قد تستهويه سبل الغواية. إن لذة اللحظة لا تعدل ذرة من نتن ذلك المحشر، ولا توازن لحظة واحدة من الفضيحة أمام الخلائق أجمعين. فالعاقل هو من نظر في العواقب، والمؤمن هو من جعل حياءه من الله مانعاً له من القوع في حمأة الرذيلة، طمعاً في ريح الجنة التي توجد من مسيرة كذا وكذا، وفراراً من ريح الفروج التي تخنق الأنفاس وتورد المهالك.

اترك تعليقاً