ثورة رقمية في الفضاء: كيف استخرج الذكاء الاصطناعي كنوز هابل المنسية؟
على مدار عقود، ظل أرشيف تلسكوب هابل الفضائي مخزناً هائلاً لعشرات الملايين من الصور التي توثق عظمة الكون. ومع ذلك، فإن هذا الطوفان من البيانات تجاوز بمراحل قدرة العقل البشري على التحليل اليدوي، مما تسبب في بقاء ظواهر كونية نادرة حبيسة الأرشيف الرقمي لسنوات طويلة.
اليوم، تعلن ورقة بحثية حديثة عن تحول جذري في هذا المسار بفضل أداة ذكية تُدعى "أنومالي ماتش" (AnomalyMatch)، والتي تمكنت من إنجاز ما كان مستحيلاً في السابق.
ما هي أداة AnomalyMatch وكيف غيرت قواعد اللعبة؟
تعد "أنومالي ماتش" ثمرة تعاون ابتكاري بين علماء الفلك في وكالة الفضاء الأوروبية، وتهدف إلى تمشيط أرشيف هابل بحثاً عما هو "خارج عن المألوف". بدلاً من البحث عن أجرام سماوية معروفة مسبقاً، تم تدريب الأداة على رصد الشذوذ الكوني والظواهر التي لا تتبع الأنماط المعتادة.
التقنيات المبتكرة خلف الأداة:
تعتمد الأداة على بنية تقنية معقدة تدمج عدة مفاهيم في الذكاء الاصطناعي:
- التعلم شبه الخاضع للإشراف: يتيح للخوارزمية التعلم من بيانات غير مصنفة، مما يمنحها القدرة على استنتاج المحتوى بشكل مستقل.
- التوسيم الزائف (Pseudo-labelling): حيث تضع الخوارزمية تسميات مؤقتة للصور عندما تبلغ درجة عالية من الثقة في تحليلها.
- تنظيم الاتساق: تقنية تضمن أن النموذج يتعرف على بنية الجسم الكوني الحقيقية بغض النظر عن زاوية التدوير أو الإضاءة.
- التعلم النشط: حلقة وصل بين الآلة والإنسان، حيث تعرض الأداة أكثر الصور غرابة على الفلكيين لتقييمها، ثم تعيد دمج قراراتهم لتحسين دقة النموذج.
إنجازات رقمية مذهلة في أيام معدودة
بفضل استخدام شبكات عصبية متقدمة من نوع EfficientNet ومعالجات رسومية (GPU) فائقة السرعة، استطاع الفريق تدريب النموذج في ساعات قليلة. النتيجة كانت مذهلة: مسح 100 مليون صورة فلكية في غضون 3 أيام فقط، وهو عمل يتطلب قروناً إذا نُفذ يدوياً.
الحصاد العلمي لـ "أنومالي ماتش":
أسفرت عملية التنقيب عن استخراج أكثر من 1300 ظاهرة شاذة فريدة، ثلثاها لم يسبق توثيقه في أي دراسة علمية سابقة، وتشمل:
- اندماج المجرات: تصادمات كونية عنيفة تخلق أشكالاً مشوهة وذيولاً نجمية.
- العدسات الجاذبية: ظاهرة انحناء الضوء التي تسمح برؤية أعمق للمادة المظلمة والكون البعيد.
- مجرات قنديل البحر: أجرام تفقد غازاتها أثناء حركتها، مما يخلق أذرعاً غازية خافتة يصعب رصدها بالعين.
- أجسام مجهولة: عشرات المجرات ذات التشوهات الغامضة التي لا تنتمي لأي تصنيف كوني معروف حالياً.
مستقبل الاستكشاف الكوني
لا تتوقف طموحات "أنومالي ماتش" عند حدود هابل، بل تمتد لتشمل بيانات تلسكوب جيمس ويب ومهمة "إقليدس" الأوروبية. إن هذا التحول يثبت أن مستقبل علم الفلك لم يعد يعتمد فقط على قوة العدسات، بل على ذكاء الخوارزميات القادرة على تحويل البيانات الضخمة من عبء تقني إلى منجم للاكتشافات العلمية التي تعيد كتابة فهمنا للكون.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً