# الذهاب في التيه: حين يضل الطالب الطريق في دروب العلم
إن المقصد الأسمى من طلب العلم النافع هو الوصول إلى خشية الله تعالى، وتهذيب النفس، واستقامة العمل. إلا أن هذا الطريق الشريف محفوف بمزالق قد تصرف العبد عن غايته، وتلقي به في أودية الحيرة والشتات، وهو ما عبر عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بوصف دقيق وبليغ حين قال: “الذهاب في التيه”.
القصة والدرس: نصيحة علي بن أبي طالب
روى الإمام ابن عبدالبر في كتابه الحافل “جامع بيان العلم وفضله” بسنده عن علي رضي الله عنه قال: «سَلوا. فسأله رجل عن الأختين المملوكتين [عن حكم وطئهما] وعن [نكاح] ابنة الأخ من الرضاعة؟ فقال: إنّك لذهّاب في التيه! سل عمّا ينفعك أو يعنيك …» ثم أجابه.
تأمل في هذا الموقف العظيم؛ علي بن أبي طالب، باب مدينة العلم، يحث الناس على السؤال والاستفادة، لكنه حين رأى السائل ينقب عن مسائل نادرة الوقوع، أو مسائل قد ترفق بغيرها مما هو أوجب وأهم، زجره بهذا الوصف: “إنك لذهّاب في التيه”. لقد كان السائل يسأل عن علم يُبنى عليه عمل، ومع ذلك رأى علي رضي الله عنه أن الانشغال بالأمور القليلة النفع مع ترك الأهم هو نوع من الضلال عن الجادة.
فإذا كان هذا في حق من سأل عن حكم شرعي فرعي، فكيف بمن يسأل ويبحث عما ليس من العلم أصلاً؟ وكيف بمن ينفق عمره في تتبع ما لا أثر له في صلاح دينه ولا دنياه؟
مفهوم “الذهاب في التيه” في العصر الحديث
إن “التيه” الذي حذر منه علي رضي الله عنه يتجسد اليوم في صور شتى بين صفوف المنتسبين للعلم وطلابه. هو ذلك الانصراف الكلي عن الأصول المتينة، والقواعد الراسخة، والفقه الذي يورث العمل، إلى اشتغال بفضول الكلام، وتتبع الغرائب، والدخول في معارك جانبية لا تسمن ولا تغني من جوع.
مظاهر التيه لدى طلاب العلم:
1. الجدل وقلة العمل: تجد الطالب يحفظ الردود ويتقن فنون المناظرة، لكنه يفتقد لخشوع الصلاة، وبر الوالدين، وقيام الليل. العلم الذي لا يورث عملاً هو حجة على صاحبه لا له.
2. الردود والنقود: تحول طلب العلم عند البعض إلى مجرد “ترصد للأخطاء”. فتراه لا يقرأ كتاباً إلا ليبحث عن زلة، ولا يسمع درساً إلا ليصطاد هفوة، فامتلأ قلبه بالغل والاعتراض بدلاً من النور والاتباع.
3. حسد الجهود: بدلاً من الفرح بانتشار الخير على يد الآخرين، ينشغل “الذهاب في التيه” بالتقليل من شأن المصلحين، والتشكيك في نواياهم، وتتبع عثراتهم.
4. تتبع ما لا يعني: الانشغال بخصوصيات الناس، وتفاصيل حياتهم، وما قيل وما يقال، وترك العلم الرصين الذي يربي العقل ويزكي الروح.
مداخل الشيطان على أهل العلم
إن الشيطان عدو متربص، فإذا رأى العبد قد اعتصم بالعلم، وأغلق أبواب الشهوات الظاهرة، ولم يجد إليه سبيلاً من باب البدع المكشوفة، لجأ إلى حيلة خفية ماكرة. إنه يفتح له باباً من “التدين المغشوش”، فيزين له الكلام في أعراض الناس باسم “الجرح والتعديل”، ويشغله بتصنيف الأشخاص وتضييع الأوقات في “فلان أخطأ” و”فلان انحرف”.
كل ذلك يتم تحت لافتات براقة مثل “حماية السنة” أو “منهج السلف”، والسلف الصالح برآء من هذه المسالك التي تقسي القلوب وتفرق الأمة. إن السلف كانوا أحرص الناس على الوقت، وأبعدهم عن الفضول، وأشد المعظمين لحرمات المسلمين.
خطورة التزيين الشيطاني
حين يغرق المرء في هذه المسالك الذميمة، قد يجتمع حوله أشباهه ممن استهوتهم الشياطين، فيكيلون له المدح، ويصفونه بـ “الناقد البصير” أو “حامي الديار”، فيغتر بهذا الثناء الزائف. هنا تكمن المصيبة الكبرى؛ حيث يخيل إليه أنه على هدى، وأنه في جهاد عظيم، بينما هو في الحقيقة يتخبط في ضلال مبين.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم محذراً من هذه الحالة النفسية الخطيرة:
> {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
إن رؤية القبيح حسناً هي عقوبة ربانية على الانحراف عن المقصد الأصلي للعلم، وهي علامة على غلق أبواب التوفيق.
كيف تنجو من التيه وتلزم الجادة؟
للخروج من تيه الجدل والاشتغال بالخلق، يجب على طالب العلم أن يراجع أصوله ويصحح مساره من خلال الخطوات التالية:
أولاً: الإخلاص وتجديد النية
يجب أن يكون العلم لله وحده، لا للمماراة ولا للمباهاة ولا لتصدر المجالس. سل نفسك دائماً: هل زادني هذا العلم قرباً من الله؟ هل جعلني أكثر تواضعاً مع عباد الله؟
ثانياً: التركيز على العلم الرصين
العلم الرصين هو ما قام على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، وهو الذي يثمر الفقه النافع. انشغل بحفظ القرآن، وفهم معانيه، ودراسة أحاديث الأحكام، والتربية الإيمانية، واترك فضول المسائل.
ثالثاً: تقديم العمل على القول
كان السلف يتعلمون الإيمان قبل القرآن، ويتعلمون العمل قبل التوسع في المسائل. اجعل لكل معلومة تتعلمها نصيباً من سلوكك وعبادتك.
رابعاً: البعد عن القيل والقال
احمِ وقتك من ضجيج الصراعات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي. إن تتبع سقطات الدعاة والعلماء يورث قسوة القلب ويحرم العبد بركة العلم.
خاتمة
يا طالب العلم، إن العمر قصير، والزاد قليل، والرحيل قريب. فلا تكن من “الذهابين في التيه” الذين أضاعوا أعمارهم في تتبع العثرات وحياكة الردود، وانصرفوا عن جوهر الدين وحقيقة اليقين. كن ممن طلب العلم ليعمل، وعمل ليرتقي، وارتقى ليقترب من مولاه.
تذكر دائماً وصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “سل عما ينفعك أو يعنيك”. ففيما ينفعك كفاية، وفيما يعنيك نجاة، وفيما وراء ذلك تيه لا ينتهي إلا بحسرة.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

اترك تعليقاً