قصةٌ تُبكي وتُضحك: نظرة في رحمة الله الواسعة
هذا الحديث النبوي الشريف، الذي رواه مسلم، يصور لنا مشهدًا مؤثرًا يجمع بين الألم والأمل، وبين الرجاء والدهشة. إنه قصة "آخر من يدخل الجنة"، هذا الرجل الذي عانى ما عانى قبل أن ينعم بالخلود في النعيم المقيم. دعونا نتأمل في تفاصيل هذه القصة العظيمة، ونستخلص منها الدروس والعبر.
رحلة عذاب ثم نور: وصف دخول الجنة
يبدأ المشهد بوصف دقيق لحال هذا الرجل. إنه يترنح في طريقه إلى الجنة، يمشي تارة ويكبو تارة أخرى، وتلسعه النار بين الحين والآخر. صورة مؤلمة تعكس صعوبة اجتياز الصراط، وما يلاقيه العاصي من عذاب.
- المشي والكبو: تعبير عن التردد والتعب في طريق الإيمان.
- لسع النار: تذكير بعذاب المعصية وعقوبة الإعراض عن الله.
لكن هذه المعاناة لا تدوم. فبمجرد أن يجتاز النار، يلتفت إليها بذهول، ويعبر عن امتنانه لله الذي نجاه منها. إنه يعترف بفضل الله العظيم، ويقر بأنه نال ما لم ينله أحد من العالمين.
الشوق إلى النعيم: سلسلة من المطالب المؤدبة
بعد هذا الامتنان، تبدأ سلسلة من المطالب المتواضعة. يرى الرجل شجرة في الجنة، فيطلب من الله أن يدنيه منها ليستظل بظلها ويشرب من مائها. يتردد الله في البداية، خشية أن يطلب المزيد، لكنه يعذر الرجل لحاجته الشديدة إلى الراحة والنعيم، فيستجيب لطلبه.
ثم تظهر شجرة أخرى، أجمل من الأولى، فيعاود الرجل الطلب، معاهدًا الله ألا يطلب غيرها. ويتكرر المشهد مع شجرة ثالثة، عند باب الجنة، تفوق الشجرتين السابقتين جمالًا وروعة.
- التدرج في النعيم: إشارة إلى أن الجنة درجات، وأن نعيمها يتزايد باستمرار.
- المطالبة المؤدبة: درس في كيفية الدعاء والتضرع إلى الله.
الدهشة والضحك: مفاجأة النهاية السعيدة
عندما يقترب الرجل من باب الجنة، ويسمع أصوات أهلها، يتوق قلبه إلى الدخول. يطلب من الله أن يدخله الجنة، فيسأله الله: "يا ابن آدم ما يصريني منك؟ أيُرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟"
هنا تبلغ الدهشة ذروتها. الرجل، الذي كان يعاني قبل لحظات، يتفاجأ بهذا الكرم الإلهي العظيم. يقول: "يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟"
هذه الكلمات تثير ضحك النبي صلى الله عليه وسلم، كما أضحكت ابن مسعود رضي الله عنه. وعندما سئل النبي عن سبب ضحكه، قال: "من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر."
دروس مستفادة:
- رحمة الله واسعة: حتى آخر من يدخل الجنة ينال من فضل الله وكرمه ما يفوق تصوره.
- الأمل لا ينقطع: حتى في أصعب الظروف، يجب على المؤمن أن يتمسك بالأمل في رحمة الله.
- الدعاء والتضرع: الدعاء سلاح المؤمن، والله يستجيب لمن دعاه بصدق وإخلاص.
- عظمة الله وقدرته: الله على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
خاتمة:
هذا الحديث النبوي ليس مجرد قصة، بل هو رسالة أمل وتفاؤل. إنه تذكير برحمة الله الواسعة، وقدرته العظيمة، وكرمه الذي لا ينفد. فلنجعل هذا الحديث دافعًا لنا للعمل الصالح، والتمسك بالإيمان، والدعاء إلى الله بقلب خاشع، راجين رحمته وفضله.

اترك تعليقاً