مقدمة: البحث عن السكينة في عالم مضطرب
في ظل تسارع وتيرة الحياة المعاصرة وكثرة التحديات والابتلاءات التي يواجهها الإنسان، يبحث الجميع عن مأوى روحي وملاذ آمن يحقق لهم السكينة النفسية. إن الإيمان بـ الرضا بالقضاء والقدر ليس مجرد ركن من أركان الإيمان الستة، بل هو البلسم الشافي والدرع الحصين الذي يحمي القلب من التقلبات والآلام. إن الرضا هو جنة الدنيا، ومستراح العابدين، وهو الفرق الجوهري بين حياة تملؤها السكينة وحياة يمزقها القلق والاعتراض.
أولاً: مفهوم الرضا وأبعاده العقدية
الرضا في اللغة هو القناعة والقبول، وفي الاصطلاح الشرعي هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، أي أن يستقبل العبد أقدار الله -سواء كانت مؤلمة أو مفرحة- بنفس مطمئنة، موقنة بأن الخيرة فيما اختاره الله. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحديد: 22].
إن إدراك العبد بأن كل ما يجري في هذا الكون هو بعلم الله وإرادته وحكمته يجعله يحرر نفسه من أسر الندم على الماضي أو الخوف من المستقبل. فالخالق سبحانه لا يقضي للعبد المؤمن قضاءً إلا وكان خيراً له، وإن بدا في ظاهره شراً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ” (رواه مسلم).
ثانياً: الفرق بين الصبر والرضا
يرى علماء السلوك وتزكية النفوس أن هناك فرقاً دقيقاً ومهمًا بين الصبر والرضا. الصبر هو حبس النفس عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله، وهو واجب على كل مسلم. أما الرضا، فهو درجة أرفع؛ حيث لا يتمنى العبد غير ما كان، لإيمانه التام بحكمة الله. يقول ابن القيم رحمه الله: “الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين”.
- الصبر: كف الجوارح عن المعصية واللسان عن الشكوى.
- الرضا: انشراح الصدر وطيب النفس بما قدر الله.
- اليقين: وهو المحرك الأساسي الذي يوصل العبد إلى مقام الرضا.
ثالثاً: ثمرات الرضا في حياة المسلم
حين يستقر الرضا في القلب، تظهر آثاره بوضوح على سلوك الإنسان وحالته النفسية، ويمكن إجمال هذه الثمرات في النقاط التالية:
- التخلص من الهموم والقلق: الراضي يعلم أن رزقه مقسوم وأجله معلوم، فلا يحزن على ما فاته من الدنيا ولا يخاف مما هو آت.
- الغنى الحقيقي: قال صلى الله عليه وسلم: “وارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ” (رواه الترمذي). الغنى ليس بكثرة العرض، بل غنى النفس.
- حلاوة الإيمان: لا يتذوق حلاوة الإيمان إلا من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.
- القوة النفسية: الراضي لا ينكسر أمام الأزمات، بل يستمد قوته من ثقته بالله (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11].
رابعاً: كيف نصل إلى مقام الرضا؟
الوصول إلى الرضا يحتاج إلى مجاهدة وعلم وعمل. إليك بعض الخطوات العملية والروحانية لتحقيق ذلك:
1. العلم بأسماء الله وصفاته: عندما تعرف أن الله هو “الحكيم” الذي يضع الأمور في نصابها، و”الرحيم” الذي هو أرحم بك من أمك، و”اللطيف” الذي يسوق إليك الخير من حيث لا تحتسب، حينها سيسلم قلبك له تماماً.
2. النظر إلى من هو دونك: أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى قاعدة ذهبية في التعامل مع الدنيا فقال: “انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ” (متفق عليه).
3. الدعاء والالتجاء: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “وأسألك الرضا بعد القضاء”. فالدعاء هو مفتاح القلوب، والرضا هبة من الله يمنّ بها على من يشاء من عباده.
خامساً: مواقف مشرقة من حياة السلف
لقد ضرب لنا الصحابة والتابعين أروع الأمثلة في الرضا. فهذا عمران بن حصين رضي الله عنه، ظل طريح الفراش لسنوات طويلة بسبب المرض، فدخل عليه بعض أصحابه فبكى لما رأى من حاله، فقال له عمران: “لا تبكِ، فإن أحبه إلى الله أحبه إليّ”. وهذا هو جوهر الرضا؛ أن تحب ما أحبه الله لك.
كما تظهر عظمة الرضا في قول الله تعالى عن المؤمنين: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) [المائدة: 119]. تأمل كيف قرن الله رضاه عنهم برضاهم عنه؛ مما يدل على شرف هذا المقام وعلو قدره عند الخالق جل وعلا.
سادساً: أثر الرضا على المجتمع
الرضا ليس شأناً فردياً فحسب، بل هو ركيزة لاستقرار المجتمع. فالمجتمع الذي يشيع فيه الرضا تقل فيه جرائم الحسد، والبغي، والسرقة، والصراعات المادية. عندما يرضى كل فرد بما قسم الله له، مع السعي بجد وإخلاص، يتحقق التكافل والمحبة وتزول الأحقاد التي تنخر في جسد الأمة.
الخاتمة: دعوة للتصالح مع القدر
إن طريق الرضا بالقضاء والقدر هو الطريق الوحيد للعبور بسلام عبر أمواج الحياة المتلاطمة. إنه لا يعني الاستسلام للواقع المأساوي أو ترك العمل، بل هو عمل قلبي يتزامن مع الأخذ بالأسباب. تذكر دائماً قوله تعالى: (وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].
فلنجعل من الرضا شعاراً لحياتنا، ولنثق بأن تدبير الله لنا أفضل من تدبيرنا لأنفسنا. ففي الرضا راحة الأبدان، وطمأنينة الجنان، وطريق يوصلنا في نهاية المطاف إلى جنات النعيم، حيث يقال لأهل الجنة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27-30].

اترك تعليقاً