# السخاء: تاج المكارم وسبيل النجاة في الدنيا والآخرة
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. إنّ الأخلاق هي وعاء الدين، وإنّ من أبهى هذه الأخلاق حُلّةً، وأسماها منزلةً، خُلقٌ جُبلت عليه النفوس الكريمة، وازدانت به سير الأنبياء والصالحين؛ إنه السخاء.
السخاء هو ذلك النهر المتدفق الذي يغسل أدران الشح من النفوس، وهو الشجرة الوارفة التي يستظل بظلها المحتاجون، وهو قبل ذلك كله صفة يحبها الله ورسوله، وبابٌ واسع من أبواب الجنة.
حقيقة السخاء وجماله في عيون البلغاء
مما لا شك فيه أن السخاء من شيم الكرام، وأصحابه محمودون في الدنيا والآخرة، وهو خلق يستر الله به عيوب صاحبه إن كان به عيوب. فالكريم بسخائه يشتري الودّ، ويمحو الضغينة، ويجعل القلوب تلتف حوله بالدعاء والثناء. وقد صدق الشاعر حين قال في وصف أثر السخاء على سمعة المرء:
> ويُظهر عيبَ المرء في النّاس بُخلُه … ويستره عنهم جميعا سخـاؤه
> تـغــطّ بأثــــواب السّــــخــاء فــإنّني … أرى كلّ عيب بالسّخاء غطاؤه
فما هو السخاء في لغة العلماء؟
لقد أجاد العلماء في تعريف هذا الخلق العظيم، ومن ذلك:
- تعريف ابن حجر رحمه الله: يرى أن السخاء بمعنى الجود، وهو بذل ما يقتنى بغير عوض. أي أن تعطي من مالك أو جهدك دون أن تنتظر مقابلاً دنيوياً، بل يكون المحرك هو نيل رضا الله.
- تعريف الماوردي رحمه الله: وضع ضابطاً دقيقاً للسخاء حين قال: “حدّ السّخاء بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل إلى مستحقّه بقدر الطّاقة”. فالسخاء ليس مجرد تبذير، بل هو وضع الشيء في موضعه الصحيح ولمن يستحقه.
- روى البخاري في باب حسن الخلق والسخاء عن جابر رضي الله عنه قال: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال: لا”.
- وروى مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث إلا يسيراً حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها”.
درجات السخاء ومراتب الجود
إذا كان السخاء بهذا المعنى، فلا شك أنه يتفاوت من إنسان لآخر؛ ولهذا فإن السخاء درجات ومراتب، كلما ارتقى فيها العبد، ازداد قرباً من مرتبة الكمال الإنساني.
يقول ابن القيّم رحمه الله: “إذا كان السّخاء محمودا فمن وقف على حدّه سمّي كريما وكان للحمد مستوجبا، ومن قصّر عنه كان بخيلا وكان للذّمّ مستوجبا”. ثم يشرع في تفصيل أنواع السخاء بشكل بديع:
1. سخاؤك عما بيد غيرك: وهو أشرف النوعين، بأن تعفّ نفسك عن أموال الناس وما في أيديهم، فلا تتطلع إليه ولا تسألهم إياه.
2. سخاؤك ببذل ما في يدك: وهو العطاء والبذل.
وهذا يفسر كيف يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يملك مالاً كثيراً؛ لأنه سخا عما في أيدي الناس تعففاً وترفعاً.
الإيثار: ذروة سنام السخاء
أما ابن قدامة المقدسي رحمه الله، فقد فصّل في الدرجات تفصيلاً يلامس القلوب، حيث قال: “اعلم أنّ السّخاء والبخل درجات: فأرفع درجات السّخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه”.
وعلى النقيض تماماً، نجد أشد درجات البخل، وهي أن يبخل الإنسان على نفسه مع حاجته، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشهوة فيمنعه منها البخل! فشتان بين من يبخل على نفسه وهو محتاج، وبين من يؤثر غيره على نفسه وهو محتاج.
وقد خلد الله ذكر أهل الإيثار في كتابه الكريم، مثنياً على الأنصار رضي الله عنهم بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ولو كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ} [الحشر: 9]. وكان سبب نزول هذه الآية قصة أبي طلحة رضي الله عنه، لما آثر ضيفه بقوته وقوت صبيانه، فأطفأ السراج وأوهم الضيف أنه يأكل معه حتى يشبع الضيف.
الرسول صلى الله عليه وسلم: سيد الأسخياء وإمام الأجواد
كان النبي صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأسمى للسخاء الذي لا يعرف الحدود. لم يكن يعطي عطاء المتردد، بل عطاء الواثق بما عند الله.
هذا هو السخاء النبوي الذي يفتح القلوب قبل البيوت، والذي يجعل الدنيا ترخص في عين صاحبها في سبيل هداية إنسان أو سد حاجة ملهوف.
نماذج مشرقة من سخاء الصالحين
لقد تخرج في مدرسة النبوة جيلٌ لم تعرف البشرية له نظيراً في الجود. لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون في البذل، متمثلين خُلق نبيهم الكريم.
1. أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها
روى الإمام مالك عن مولاة لعائشة رضي الله عنها: أنّ مسكينا سأل عائشة وهي صائمة، وليس في بيتها إلّا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إيّاه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه. فقالت أعطيه إيّاه. ففعلت، فلمّا أمسينا، أهدى لها أهل بيت أو إنسان شاة وكفنها (أي ما يغطيها من الأقراص والرّغف) فدعتني عائشة، فقالت: كلي من هذا. هذا خير من قرصك. هكذا يكون اليقين في الله، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه.
2. علي بن أبي طالب رضي الله عنه
بلغ علي بن أبي طالب ذروة السخاء النفسي والمادي، وكان يرى في قضاء حوائج الناس نعمةً تستوجب الشكر، فكان يقول: “ما أدري أي النعمتين أعظم عليّ مِنّةً: من رجلٍ بذل مُصاص وجهه إليه فرآني موضعاً لحاجته، وأجرى الله قضاءها أو يسّره على يديّ، ولأن أقضي لامرئٍ مسلمٍ حاجةً أحبّ إلي من ملء الأرض ذهباً وفضةً”.
وكانت حكمته في الإنفاق واضحة: “إذا أقبلت عليك الدّنيا فأنفق منها فإنّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنّها لا تبقى”.
3. عبد الله بن جعفر وسخاء الغلام الأسود
ذكر ابن قدامة قصة عجيبة، حيث خرج عبد الله بن جعفر (الذي كان يلقب بقطب السخاء) إلى ضيعة له، فنزل عند نخل يعمل فيه غلام أسود. جاء الغلام بقوته (ثلاثة أرغفة)، فدخل كلب جائع، فرمى إليه الغلام الرغيف الأول فأكله، ثم الثاني، ثم الثالث، وعبد الله ينظر.
سأله عبد الله: يا غلام كم قوتك كلّ يوم؟ قال: ما رأيت (أي هذه الأرغفة). قال: فلم آثرت به هذا الكلب؟ قال: إنّ أرضنا ما هي بأرض كلاب، وأظنّ أنّ هذا الكلب قد جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت ردّه. قال: فما أنت صانع؟ قال: أطوي يومي هذا (أي أصوم). فقال عبد الله بن جعفر: أُلام على السّخاء وهذا أسخى منّي!! فاشترى الحائط (المزرعة) والغلام وأعتقه ووهبه المزرعة.
السخاء طريق النجاة وأصل الفلاح
إن السخاء ليس مجرد فعل عابر، بل هو منهج حياة ومنجاة من عذاب الله. يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه: “إذا مات السّخيّ، قالت الأرض والحفظة: ربّ تجاوز عن عبدك في الدّنيا بسخائه”.
ويؤكد الإمام الغزالي رحمه الله هذه الحقيقة بقوله: “اعلم أنّ المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة، وقلّة الحرص، وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار، واصطناع المعروف، والتّباعد عن الشّحّ والبخل، فإنّ السّخاء من أخلاق الأنبياء- عليهم السّلام- وهو أصل من أصول النّجاة”.
تأملات في السخاء والجود
لقد أدرك الصالحون أن المال ظل زائل، وأن الباقي هو ما قدموه لوجه الله. وقد عبر إبراهيم اليشكري عن هذا المعنى بأبيات خالدة:
> يقول رجال قد جمعت دراهمـا … وكيف ولم أخلق لجمع الدّراهـم
> أبى الله إلّا أن تكون دراهمـــي … بذا الدّهر نهبا في صديق وغارم
> وما النّاس إلّا جامع أو مضيّــع … وذو نصب يسعى لآخر نائـــــــم
> لقد أَمِنَت منّي الدّراهم جَمعَها … كما أَمِن الأضيافُ من بخل حاتــم
خاتمة: كن سخياً تكن قريباً من الله
في ختام هذا المقال، ندرك أن السخاء تجارة مع الله لن تبور. إنه الخلق الذي يجمع شتات القلوب، ويطهر النفوس من الأنانية، ويجعل المجتمع المسلم كالجسد الواحد. فليكن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحابته الكرام أسوة حسنة، ولنعلم أن ما عند الله باقٍ وما عندنا ينفد.
اللهم طهر قلوبنا من الشح، واجعلنا من المنفقين في سبيلك، المخلصين في عطائهم، المتبعين لسنة نبيك الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً