# الشتاء ربيع المؤمن: تأملات تربوية وإيمانية في آيات الله الكونية
إن المؤمن المستبصر، الذي رزقه الله قلباً حياً وعقلاً متفكراً، لا يمر بحدث في هذا الكون مرور الكرام، بل يتخذ من كل حركة وسكنة، ومن كل تغير في ملكوت الله، آيةً باهرة تدله على عظمة خالقه، وقدرة بارئه، وحول وقوة من بيده ملكوت كل شيء. ومن أعظم آيات الله التي تتجلى لنا في كل عام، هذا الاختلاف المشهود في الأحوال؛ ليل يعقبه نهار، وحر يتلوه برد، وشتاء يتبعه صيف، ثم ربيع فخريف.
إن في هذا التقلب حكمة بالغة ومصالح لا تعد ولا تحصى. تأمل معي أيها الأخ المسلم، كيف ساق الله إلينا نعمة الشتاء بعد حر الصيف، وكيف جعل هذا الانتقال بالتدرج والمهلة، رحمة بالعباد ورفقاً بالأبدان. يقول العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، واصفاً هذه الحكمة الإلهية: “تأمل أحوال هذه الشمس في انخفاضها وارتفاعها لإقامة هذه الأزمنة والفصول، وما فيها من المصالح والحكم، إذ لو كان الزمان كلَّه فصلاً واحداً لفاتت مصالحُ الفصول الباقية فيه، فلو كان صيفاً كلَّه لفاتت منافعُ ومصالح الشتاء، ولو كان شتاءً لفاتت مصالح الصيف، وكذلك لو كان ربيعاً كلَّه أو خريفاً كلَّه”.
وصدق القائل في مناجاته لمولاه:
فوا عجباً كيف يعصى الإله ** أم كيف يجحده الجاحد
ولله في كل تحريكــــــــــة ** وتسكينة أبداً شاهــــــد
وفي كل شيء له آيـــــــــة ** تدل على أنه الواحــــــد
لذا، كان لزاماً على المسلم الحق أن يقف وقفات تربوية مع فصل الشتاء، يستلهم منها العبر، ويستنهض بها الهمة، وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً: تجلي عظمة الله سبحانه وتعالى في آيات الشتاء
حين تنهمر الأمطار الغزيرة، وتكتسي السماء بحلل الغمام، يبرز سؤال يفرض نفسه على كل ذي لب: بقدرة من وقع ذلك؟ ومن الذي أذن لتلك القطرات أن تغادر كبد السماء لتسقي الأرض الظمأى؟
لو سألنا أهل الأرض قاطبة، وعظماء الدنيا وجبابرتها: مَن منكم يملك القدرة على إنزال قطرة مطر واحدة؟ لن تجد إجابة، ولن تجرؤ نفس على قول “أنا”. الكل هنا يخنس، وتتلاشى الادعاءات أمام عظمة الجبار. إن الجواب لا يأتي إلا من السماء، ومن رب السماء وحده، القادر المقتدر الذي قال في محكم تنزيله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} [الروم:25].
كل ما نراه في فصل الشتاء من تغيرات هو بمراد الله؛ فحين يذهب فصل ويأتي آخر فبإذنه، وحين ترتوي أرض وتجف أخرى فبأمره. هو قيوم السموات والأرض، ومالك خزائن كل شيء: {فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر:22].
تأمل تلك العمليات الدقيقة التي تسبق نزول الغيث؛ من إنشاء للسحاب الثقال، وإضاءة للبرق الخاطف، وتسبيح للرعد المهيب: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 12، 13].
الرعد والبرق.. جنود مأمورة
لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة هذه الظواهر؛ ففي المسند وسنن الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما، سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد، فقال: “الرعد ملك من الملائكة مَوْكولٌ بالسحاب بيديه، أو في يده مخراقٌ من نار يزجر به السحاب، والصوت الذي يسمع منه زجره السحاب، إذا زجره حتى ينتهيَ إلى حيث أمره الله”.
ويؤكد القرآن الكريم أن إنزال المطر والبرد آية لا يقدر عليها إلا الله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43].
ثانياً: الشتاء وتذكير العباد بيوم البعث والنشور
يربط القرآن الكريم دائماً بين إحياء الأرض الميتة بماء المطر وبين قدرة الله على بعث الأجساد من قبورها. إن فصل الشتاء وما فيه من غيث هو درس عملي متكرر في عقيدة البعث. قال تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحج: 5-6].
وكما أن الحياة لا تقوم بلا ماء: {وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، فإن القلوب تحيا بذكر الله وتأمل آياته. إن الشتاء يذكرنا أن الله الذي أحيا هذه الأرض بعد موتها ويبسها، قادر على أن يحيي العظام وهي رميم، فكيف يغفل الإنسان عن هذا النشور؟ {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9].
ثالثاً: الشتاء آية كونية تستوجب التفكر
بأمر ربنا يرحل الصيف ويحل فصل الشتاء، وهذا التغيير يجب أن يحرك القلوب الساكنة. للأسف، بات الكثيرون لا يرون في الشتاء إلا زيادة في منسوب المياه، أو اشتداداً في البرد، أو حاجة للمدافئ، دون أن تنبض قلوبهم بلحظة تفكر إيمانية. إن الشتاء آية للمؤمنين، وعبرة لأولي الألباب: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190، 191].
هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع الآيات الكونية
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الناس تفاعلاً مع آيات الله. عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرِف ذلك في وجهه، ولما سألته عن ذلك قال: “يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح”.
إن الرياح جند من جنود الله، لها وظائف جليلة منها:
1. إثارة السحاب: {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [الروم: 48].
2. تلقيح السحاب والشجر: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ} [الحجر: 22].
3. تسيير السفن: {وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22].
4. نصرة المؤمنين وإهلاك الكافرين: كما حدث مع عاد ومع الأحزاب.
رابعاً: الشتاء.. الغنيمة الباردة للعابدين
لقد سمى السلف الصالح فصل الشتاء بـ “الغنيمة الباردة”. والغنيمة الباردة هي التي تُنال بلا تعب ولا مشقة كبيرة.
- قصره لسهولة الصيام: نهاره قصير لا يجد فيه الصائم عناء الجوع والعطش.
- طوله لسهولة القيام: ليله طويل ينام فيه العبد حاجته، ثم يتبقى له وقت طويل لمناجاة ربه في السحر.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “الشتاء غنيمة العابدين”. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يرحب به قائلاً: “مرحباً بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام”. وقال الحسن البصري: “نعم زمان المؤمن الشتاء؛ ليله يطول يقومه، ونهاره قصير يصومه”.
همة السلف في ليل الشتاء
بكى معاذ بن جبل رضي الله عنه عند موته شوقاً لـ “ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء”. وكان بعض العباد يصلون في ثوب واحد ليدفعوا النوم بالبرد، ومنهم من كان يصب الماء البارد على رأسه ويقول: “هذا أهون من صديد جهنم”. فأين نحن من هذا النشاط والهمة؟
خامساً: مضاعفة الأجر وذكرى الدار الآخرة
في الشتاء، تفتح أبواب الأجور العظيمة من خلال “إسباغ الوضوء على المكاره”. قال صلى الله عليه وسلم: “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟… إسباغ الوضوء على المكاره…”. والوضوء في شدة البرد هو نوع من أنواع الرباط في سبيل الله.
كما أن برد الشتاء القارص يذكرنا بـ “زمهرير جهنم”. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: “اشتكت النار إلى ربِّها، فقالت يا رب، أكل بعضي بعضًا، فجعل لها نفسين؛ نفسًا في الشتاء، ونفسًا في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد، وشدة ما تجدون من الحر من سمومها”.
لذا استحب السلف الاستعاذة من الزمهرير؛ فإذا كان يوم شديد البرد، قال العبد: “لا إله إلا الله، ما أشد برد هذا اليوم! اللهم أجرني من زمهرير جهنم”.
سادساً: سنن نبوية وآداب شرعية في فصل الشتاء
حتى يكتمل إيماننا، علينا اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الفصل:
1. الدعاء وقت نزول المطر: فهو وقت إجابة، ويستحب قول: “اللهم صيباً نافعاً”.
2. التعرض للمطر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسر عن ثوبه ليصيبه المطر ويقول: “لأنه حديث عهد بربه تعالى”.
3. عند اشتداد المطر والخوف من الضرر: يقال: “اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر”.
4. عند هبوب الريح: “اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به”. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب الريح.
5. عند سماع الرعد: كان عبد الله بن الزبير يترك الحديث ويقول: “سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته”.
6. بعد نزول المطر: يقال: “مُطرنا بفضل الله ورحمته”.
سابعاً: الحذر من الشركيات والبدع
يجب على المسلم أن ينسب الفضل في نزول المطر لله وحده. فمن اعتقد أن الكواكب أو النجوم هي التي تخلق المطر فقد كفر. أما من قال “مطرنا بنوء كذا” وهو يعتقد أنها علامة زمنية فقط، فقد وقع في مكروه، والأولى والواجب أن يقول: “مطرنا بفضل الله ورحمته”.
ختاماً..
إن الشتاء فرصة لمراجعة النفس، وتجديد العهد مع الله، واستشعار آلام الفقراء والمحتاجين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. تصدقوا ولو بشق تمرة، أو بثوب دافئ يقي أخاً لكم برد الزمهرير.
اللهم اجعلنا ممن يتفكرون في آياتك، واجعل الشتاء ربيعاً لقلوبنا، وزيادة في طاعاتنا، وأجرنا من حر جهنم وزمهريرها، والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً