الصبر والرضا بالقضاء: مفتاح الطمأنينة والسكينة في رحاب الشريعة الإسلامية

مقدمة: طبيعة الحياة الدنيا وحاجة المؤمن للصبر

إنّ المتأمل في نصوص الوحيين الشريفين، وفي نواميس الكون التي أرساها خالق الأرض والسموات، يدرك يقيناً أن هذه الحياة الدنيا ليست دار قرار ولا دار نعيم مطلق، بل هي دار ابتلاء واختبار، وممر للآخرة التي هي الحيوان لو كانوا يعلمون. وفي خضم عواصف الحياة وتقلباتها، يبرز الصبر والرضا بالقضاء والقدر كجناحين يحلق بهما المؤمن فوق آلامه، وكبوصلة تخرجه من ظلمات القنوط إلى نور الرجاء والسكينة.

لقد أراد الله عز وجل للإنسان أن يكون مكلفاً، والتكليف يقتضي الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة. فالمؤمن الحقيقي هو من يرى يد الله الرحيمة خلف كل قدر، ويستشعر حكمته البالغة في كل محنة، مصداقاً لقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة: 155-156].

منزلة الصبر في الإسلام وثمراته

الصبر في الإسلام ليس مجرد استسلام للواقع أو عجز عن التغيير، بل هو عمل قلبي جليل، وقوة إرادة تدفع المرء للثبات والاحتساب. وقد ورد ذكر الصبر في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، مما يدل على عظم شأنه وجلال قدره. ومن أعظم ثمرات الصبر التي وعد الله بها عباده:

  • معية الله الخاصة: فالله مع الصابرين بتأييده ونصره وهدايته، كما قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153].
  • الأجر غير المحدود: فكل عمل له أجر محدد إلا الصبر، فإن أجره لا يحيط به عدّ، قال تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].
  • الظفر بالهداية والرحمة: وهي الصلوات والرحمة التي ينالها الصابرون من ربهم عند حدوث المصائب.

الصبر في السنة النبوية الشريفة

كان النبي صلى الله عليه وسلم المعلم الأول في مدرسة الصبر، فجسد في حياته أرقى صور الصمود واليقين. وقد جاءت أحاديثه الشريفة لتربط بين الصبر وبين سعادة المؤمن في الدارين. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” (رواه مسلم).

هذا الحديث يضع دستوراً نفسياً للمسلم؛ فالحياة لا تخلو من سراء وضراء، والمؤمن يتقلب بين مقامي الشكر والصبر، وهو في كلتا الحالتين رابح في ميزان الله. كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن الصبر ضياء، أي أنه النور الذي ينير للمؤمن دياجير الظلمة في أوقات الشدة، فقال: “والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء” (رواه مسلم).

مراتب الصبر وأنواعه

يخطئ من يظن أن الصبر يقتصر على الصبر عند فقد عزيز أو مال، بل هو مفهوم شمولي يغطي كافة جوانب الحياة الإيمانية، ويمكن تقسيم الصبر إلى ثلاثة أنواع رئيسة:

  • الصبر على طاعة الله: وهو أعلاها رتبة، إذ يتطلب مجاهدة النفس وحملها على ما يثقل عليها من عبادات مثل صلاة الفجر في الشتاء، أو الصيام في شدة الحر، أو الثبات في الدعوة إلى الله.
  • الصبر عن معصية الله: وهو كف النفس عن الشهوات المحرمة، والترفع عن الرذائل، وهو جهاد كبير يتطلب استحضار مراقبة الله عز وجل.
  • الصبر على أقدار الله المؤلمة: وهو حبس النفس عن السخط، واللسان عن الشكوى لغير الله، والجوارح عن اللطم وشق الجيوب، وهذا النوع هو الذي يُختبر فيه صدق الإيمان بالقدر خيره وشره.

من الصبر إلى الرضا: مقام العارفين

إذا كان الصبر واجباً يأثم المسلم بتركه والسخط على القدر، فإن الرضا مقام أعلى ومستحب، وهو سكون القلب إلى اختيار الله له. الصابر يتألم ولكنه يحبس نفسه، أما الراضي فقد امتلأ قلبه بمحبة الله حتى استوى عنده المنع والعطاء. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: “من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط”.

إن الرضا هو جنة الدنيا، وبه يذوق العبد طعم الإيمان الحقيقي. والرضا بالقضاء والقدر لا يعني ترك الأخذ بالأسباب، بل هو بذل السبب مع تفويض النتيجة لرب الأسباب، واليقين بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. فالخيرة دائماً فيما اختاره الله، ولو كُشف للعبد الغيب لاختار ما قدره الله له من محن ليحوله إلى منح.

خطوات عملية لتحقيق الصبر والسكينة

كيف نصل إلى هذه المنزلة الرفيعة في واقعنا المعاصر؟ إليكم بعض الخطوات التي تعين العبد على التحلي بالصبر والرضا:

أولاً: العلم بعواقب الأمور: إن إدراك أن الله أرحم بك من نفسك، وأنه لا يقدر شراً محضاً، يجعل قلبك يهدأ. قال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

ثانياً: النظر إلى من هو أسفل منك: في أمور الدنيا والمصائب، ينبغي للمسلم أن ينظر إلى من ابتلاؤه أعظم، فذلك يدعوه للحمد والشعور بنعمة الله عليه، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم”.

ثالثاً: الاستعانة بالصلاة والدعاء: الصلاة صلة بالله تمد الروح بطاقة هائلة للتحمل، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. والدعاء هو سلاح المؤمن، فبه يستجلب العون من خالق القوى والقدر.

رابعاً: استحضار الأجر والمثوبة: عندما يعلم المؤمن أن كل شوكة يشاكها، وكل هم يصيبه، يكفر الله به من خطاياه، تهون عليه المصيبة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه” (متفق عليه).

خاتمة: الصبر طريق الفلاح

ختاماً، إن الصبر والرضا ليسا من قبيل الترف الإيماني، بل هما ضرورة حياتية لتحقيق التوازن النفسي والروحي. إن الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء، وما نمر به من آلام وتحديات ما هي إلا قناطر نعبر من خلالها إلى رحمة الله وجنته. فكن صابراً في الضراء، شاكراً في السراء، راضياً بمر القضاء، لتفوز بلقب “العبد الصالح” الذي لا خوف عليه ولا هو يحزن.

لنجعل شعارنا في هذه الحياة قول الله عز وجل: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) [المعارج: 5]. والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلا لله، ولا تبرم معه من أقدار الله. نسأل الله أن يفرغ علينا صبراً، ويتوفنا مسلمين، وأن يملأ قلوبنا برضا يورثنا السكينة في الدنيا والنعيم في الآخرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *