الصومال إلى أين؟ تفكك “أرض الصومال” وولادة “خاتمة” وتداعيات الانقسام

الصومال إلى أين؟ تفكك “أرض الصومال” وولادة “خاتمة” وتداعيات الانقسام

مقدمة: عدوى الانفصال تضرب القرن الأفريقي

في مشهد معقد يزداد فيه التشظي، تبرز قضية "ولاية خاتمة" الصومالية كنموذج لافت للانفصال عن كيان انفصالي أصلاً. فبعد عقود من سعي "أرض الصومال" (صومالي لاند) للاعتراف الدولي دون جدوى، شهدت المنطقة ميلاد كيان جديد يسعى بدوره إلى الانفصال، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصومال ووحدته، ويفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة.

خاتمة: ولادة متعثرة في ظل صراعات إقليمية

تعتبر لاسعانود والمناطق المحيطة بها، والتي تشكل ولاية خاتمة، جزءًا من "أرض الصومال" التي أعلنت استقلالها من طرف واحد عام 1991. لكن بعد حرب استمرت ستة أشهر بين سكان خاتمة وقوات "أرض الصومال"، انتهت بانتصار أهالي خاتمة وانسحاب قوات "أرض الصومال" من لاسعانود في أغسطس 2023، أعلن عن تأسيس ولاية خاتمة.

في خطوة ذات دلالة رمزية وسياسية، زار رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري مدينة لاسعانود في أبريل الماضي، في أول زيارة لمسؤول صومالي رفيع منذ عام 1991. وقد شهدت الزيارة تدشين مشاريع خدمية وإعلان انضمام ولاية خاتمة رسميًا إلى الولايات الاتحادية الصومالية، في محاولة لقطع الطريق على أي تحركات انفصالية جديدة.

دوافع الانفصال: مزيج من التهميش والسياسة الإقليمية

تأتي هذه التطورات في ظل خلفية إقليمية معقدة، تتضمن:

  • تهميش وإقصاء: شعور أهالي خاتمة بالتهميش والإقصاء من قبل سلطات "أرض الصومال" التي يتركز نفوذها في هرجيسا ومناطق الوسط.
  • مذكرة التفاهم الإثيوبية: توقيع "أرض الصومال" مذكرة تفاهم مع إثيوبيا لمنحها قاعدة عسكرية على سواحلها، الأمر الذي أثار غضب الحكومة المركزية في مقديشو، واعتبرته انتهاكًا للسيادة الصومالية.
  • الخلافات الداخلية: سعي حكومة مقديشو لإيجاد مخرج من حالة الانسداد السياسي الداخلي، في ظل الخلافات مع ولايتي بونتلاند وجوبالاند حول الانتخابات.

ردود الفعل: تنديد وانسحاب من المفاوضات

من جانبها، نددت إدارة "أرض الصومال" بزيارة رئيس الوزراء الصومالي إلى لاسعانود، واعتبرتها انتهاكًا لسيادتها، وأعلنت انسحابها من المفاوضات مع الصومال.

أرض الصومال: مسيرة انفصال طويلة الأمد

"أرض الصومال" هي إقليم يتمتع بحكم ذاتي يقع شمال الصومال على ساحل خليج عدن. أعلنت استقلالها من جانب واحد في عام 1991 بعد انهيار الحكومة المركزية الصومالية. ورغم الاستقرار النسبي الذي تتمتع به مقارنة ببقية الصومال، وتنظيمها انتخابات دورية، إلا أنها لم تحظَ باعتراف دولي حتى الآن.

سيناريوهات مستقبلية: طريق مسدود أم حلول ممكنة؟

في ظل هذه التطورات، يواجه مستقبل "أرض الصومال" ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  1. الضم بالقوة: محاولة استعادة ولاية خاتمة بالقوة، وهو خيار يبدو مستبعدًا في ظل تصميم أهالي خاتمة على الحفاظ على استقلالهم.
  2. التخلي والاعتراف بالأمر الواقع: الاكتفاء بالحدود الحالية والمضي قدمًا في السعي للاعتراف الدولي، وهو خيار قد لا تستسيغه إدارة "أرض الصومال".
  3. إضعاف خاتمة: التعامل مع ملف خاتمة على المدى الطويل، وإضعافها من خلال إذكاء النعرات القبلية واستمالة بعض أبنائها، وهو ما قد يؤدي إلى إضعاف الطرفين.

القبلية: المحرك الرئيسي للصراعات الصومالية

تعتبر القبلية العامل الأبرز في الخلافات الصومالية، وهو ما يشجع على المزيد من الانقسامات. فحركة ولاية أودل، على سبيل المثال، تسعى للانفصال عن "أرض الصومال" والعودة إلى الوحدة مع الصومال الكبير.

دروس مستفادة: نحو بناء دولة حديثة

تكشف الأحداث في الصومال عن أهمية تجاوز المنطق القبلي والإثني في بناء الدول، والتركيز على بناء دولة حديثة قائمة على المواطنة والمساواة. فالاعتماد على القبلية يؤدي إلى الفساد والضعف والتدخلات الخارجية، ويجعل الدولة فريسة سهلة للتقسيم والتشرذم.

نماذج إقليمية: بين الفشل والنجاح

تكشف التجارب الإقليمية في دول مثل إثيوبيا وجيبوتي وكينيا ورواندا عن مخاطر الاعتماد على القبلية والإثنية في بناء الدول. ففي رواندا، أدت النعرات القبلية إلى الإبادة الجماعية.

لكن هناك أيضًا نماذج ناجحة، مثل تجربة رواندا تحت قيادة بول كاغامي، الذي نجح في القضاء على النعرات القبلية من خلال سن تشريعات صارمة.

خاتمة: نحو صومال موحد ومستقر

في الختام، تتطلب معالجة أزمة الصومال تجاوز المنطق القبلي، وبناء دولة حديثة قادرة على استيعاب جميع مكونات الشعب الصومالي. فالوحدة والاستقرار هما السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والازدهار في الصومال.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *