مقدمة: البحث عن المرفأ الآمن
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتلاطم فيه أمواج الفتن، يجد الإنسان نفسه في حاجة ماسة إلى مأوى روحي يمنحه الثبات والهدوء. إن هذه الحالة التي ينشدها كل مؤمن هي ما أسماه القرآن الكريم “السكينة”. تلك الهبة الربانية التي تنزل على القلوب المنهكة فتجعلها كالجبل الأشم، لا تهزها الرياح العاتية ولا تزلزلها المحن. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ)، وهي ليست مجرد حالة نفسية عابرة، بل هي ثمرة إيمانية عميقة تنبت في أرض التوكل واليقين.
أولاً: مفهوم السكينة في الرؤية الإسلامية
السكينة في اللغة مشتقة من السكون، وهو نقيض الاضطراب والحركة القلقة. أما في المفهوم الإيماني، فهي طمأنينة ووقار ووقار يبعثه الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدة الخوف، فلا يجزع لما يرد عليه، بل يزداد إيماناً وثباتاً. إنها النور الذي يفرق به المؤمن بين الحق والباطل، والقوة التي تمنحه القدرة على مواجهة مصاعب الحياة بقلب مطمئن.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الناس سكينة، ففي أحلك الظروف وأصعب المواقف، كادت القلوب تبلغ الحناجر في غار ثور، فالتفت إلى صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه قائلاً بلسان اليقين: “ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟”. هذا اليقين هو جوهر السكينة التي تنفي الحزن وتبدد الخوف.
ثانياً: مفاتيح طمأنينة القلب في ضوء الكتاب والسنة
لكي يبلغ المؤمن مقام السكينة، لا بد له من سلوك طرق معينة رسمها لنا الوحي الشريف، ومن أهم هذه المفاتيح:
- دوام ذكر الله تعالى: الذاكر لله ليس كالغافل، فالذكر هو الغذاء الروحي الذي يطرد وساوس الشيطان ويجلب رحمة الرحمن. يقول تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
- التوكل الحقيقي على الله: إن استشعار عظمة الخالق وهيمنته على ملكوته يجعل العبد يدرك أن مقاليد الأمور بيده سبحانه، مما يذهب عنه هموم الرزق والمستقبل. وفي الحديث الصحيح: “لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً”.
- الصلاة ومعراج الروح: الصلاة هي الصلة الحية بين العبد وربه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ويقول لبلال: “أرحنا بها يا بلال”. فهي المحطة التي يلقي فيها المؤمن أعباء الدنيا خلف ظهره.
- الرضا بالقضاء والقدر: الرضا هو “جنة الدنيا”، ومن رضي فله الرضا. إن إيمان العبد بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، يورثه سلاماً داخلياً لا يضاهى.
ثالثاً: السكينة في مواجهة الفتن والمتغيرات
نحن نعيش في عصر يُسمى عصر “القلق العالمي”، حيث كثرت الشبهات والشهوات والضغوط الاقتصادية والاجتماعية. هنا تبرز أهمية السكينة كدرع واقٍ للمسلم. إن اضطراب الناس حولك وضياع بوصلتهم لا يعني أن تنجرف معهم. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ).
السكينة تجعل المسلم يرى الحقائق بعين البصيرة لا بعين البصر فقط. فعندما يرى الناس نقصاً في الموارد، يرى المؤمن سعة في كرم الله. وعندما يرى الناس انسداداً في الأفق، يرى المؤمن (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا). هذه الرؤية المتزنة هي التي تمنع الانهيار النفسي وتدفع نحو العمل الإيجابي المثمر.
رابعاً: خطوات عملية لتحصيل السكينة في حياتنا اليومية
كعالم دين وباحث في التربية الإيمانية، أنصح بكل مسلم يسعى لاستعادة توازنه الروحي باتباع الخطوات التالية:
- تخصيص ورد يومي من القرآن الكريم: القرآن هو الشفاء الأكبر، وتدبر آياته يمنح النفس هدوءاً عجيباً، قال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
- صحبة الصالحين والبيئة الإيمانية: المرء على دين خليله، والمجالس التي يُذكر فيها الله تنزل عليها السكينة وتحفها الملائكة، كما أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.
- الإكثار من الاستغفار: الاستغفار ليس فقط لتكفير الذنوب، بل هو مفتاح للفرج والسكينة، “من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً”.
- فصل القلب عن الدنيا: اجعل الدنيا في يدك لا في قلبك. إن تعلق القلب بالزائل يورث القلق، وتعلقه بالباقي يورث السكون.
خامساً: ثمرات السكينة على الفرد والمجتمع
عندما تتحقق السكينة في قلب المؤمن، يظهر أثرها على جوارحه؛ فيصبح رزيناً في قوله، حكيماً في فعله، رحيماً بالخلق. إن المجتمع الذي يتسم أفراده بالسكينة هو مجتمع متماسك، يسوده الود والتراحم بدلاً من الصراع والتوتر. السكينة تمنحنا القوة لنقول للناس حُسناً، ولنتجاوز عن الإساءة، ولنبني ونعمر ونحن في غاية الطمأنينة بأن الله معنا.
يقول ابن القيم رحمه الله: “إن في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته”. وهذه هي خلاصة السكينة؛ أن يكون الله هو غايتك ومطلبك، فمن وجد الله فماذا فقد؟ ومن فقد الله فماذا وجد؟
خاتمة: كن مع الله ترَ الله معك
في الختام، إن السكينة ليست سلعة تُباع وتُشترى، بل هي منحة ربانية تستنزل بالدعاء والعمل الصالح. فليكن شعارنا في هذه الحياة (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ)، ففي الفرار إليه النجاة، وفي القرب منه السكن والقرار. نسأل الله العظيم أن ينزل على قلوبنا سكينة من عنده، ويؤمن روعاتنا، ويجعلنا من عباده المطمئنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
إن الطريق إلى السكينة يبدأ بجدية القصد وإخلاص التوجه، فإذا صدق العبد مع ربه، أفاض الله على قلبه من بركات فضله ما يجعله يعيش جنة الدنيا قبل جنة الآخرة. فلنتمسك بحبل الله المتين، ولنثق بوعوده الصادقة، ولنعلم أن العسر يتبعه يسران، وأن مع الصبر النصر، ومع الكرب الفرج.

اترك تعليقاً