العشر الأواخر وليلة القدر: كيف تفوز بالجائزة الكبرى؟

# العشر الأواخر وليلة القدر: مضمار السباق نحو جنة الخلد

مقدمة: حقيقة الدنيا ومتاع الغرور

اعلموا -يا عباد الله- أن الله تبارك وتعالى قد بسط لكم الدنيا ومكّنكم في أرجائها، لا لتركنوا إلى زخرفها الزائل، بل لتتخذوا منها قنطرةً تعبرون بها إلى الدار الآخرة. إن الفطن هو من جعل دنياه مطيةً لأخراه، ليكون في زمرة أهل التجارة الرابحة الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. لقد أعطاكم الله هذه الأيام والمقدرات لتطلبوا بها ما عند الله من النعيم المقيم، ولم يعطكموها لتشتغلوا بها عما خلقتم له من العبادة والتوحيد.

إن الدنيا مهما طالت فهي فانية، والآخرة مهما استبطأها الغافلون فهي باقية، فلا تشغلنكم هذه الفانية بزينتها الخداعة عن تلك الباقية بجنانها وروحها. بل الواجب على كل لبيب أن يؤثر ما يبقى على ما يفنى، وأن ينهج نهج أولي التقى والصلاح، الذين عرفوا قدر أعمارهم فصرفوها في طاعة مولاهم. تذكروا على الدوام ذلك المصير المحتوم الذي ينتظر كل حي، وما بعده من أهوال القبر وبلائه، وغربته الموحشة تحت أطباق الثرى، حيث يفارق المرء القريب والحبيب، ويترك وراءه الطارف والتليد، ولا يبقى معه إلا عمله.

تذكروا أهوال البعث والحساب، والوقوف بين يدي رب الأرباب، حين يُنصب الميزان، ويُحاسب العبد على النقير والفتيل والقطمير. هناك يُجزى كل إنسان بما قدمت يداه، ولا ينفع حميم حميماً إلا من رحمه مولاه، مصداقاً لقوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَدَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} [الشورى: 47].

فضل العشر الأواخر: فرصة العمر الغالية

يا عباد الله، تذكروا الآن -ونحن في هذه الأيام المباركة- أنكم تعيشون في العشر الأخير من شهر الصيام والقيام. إنها تيجان الزمان، وخلاصة الشهر الفضيل، وكم وعد الله فيها الصائمين القائمين المحتسبين الحافظين لحدوده من مغفرة عظيم الآثام، ومن أنواع الإكرام في جنات النعيم، دار الرضوان والسلام. فاختموا شهركم بخير الأعمال وجليل الخصال، واجعلوا من هذه الليالي منطلقاً للتوبة النصوح، وشكراً لذي الكرم والجلال.

إن الاجتهاد في هذه العشر ليس مجرد نافلة، بل هو ديدن الصالحين وشعار المتقين. ففيها تضاعف الأجور، وتُفتح أبواب السماء، وتتنزل الرحمات. إنها أيام معدودات، لكن أثرها في ميزان العبد قد يزن الجبال الرواسي إذا أخلص النية وأحسن العمل.

أبواب الخير في العشر الأواخر

ليكن لكم في كل باب من أبواب الخير سهم، وفي كل طاعة نصيب:

أولاً: تلاوة القرآن الكريم التدبرية

أكثروا من تلاوة كتاب الله؛ فإنه النور الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو الشفيع لأصحابه يوم القيامة. لا تجعلوا حظكم منه مجرد سرد الحروف، بل قفوا عند آياته، وتدبروا وعيده ووعده، واجعلوا القرآن ربيع قلوبكم في هذه الليالي المظلمة.

ثانياً: الإحسان والصدقة

صلوا الإحسان بالإحسان، فإن ربكم بالمحسنين أرحم. جودوا بفضل أموالكم على الفقراء والمساكين، وتنافسوا في الصدقات الخفية التي تطفئ غضب الرب. لقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك». فكيف بمن ينفق ليسد جوعة مسكين أو يكسو عريان في هذه الأيام المباركة؟

ثالثاً: الذكر والدعاء

أكثروا من ذكر الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم، فإن الله قد وعد الذاكرين والذاكرات مغفرة وأجراً عظيماً. ادعوا الله مخلصين له الدين، تضرعوا إليه في الأسحار، اطلبوا منه العفو والمغفرة لأنفسكم ولإخوانكم المسلمين، الأحياء منهم والميتين. إن ربكم تبارك وتعالى قريب من داعيه، يستحي أن يرد يدي عبده صفراً، ويرضى عن العبد إذ يناجيه ويبث إليه شكواه.

الاجتهاد في الصلاة ورفع الدرجات

إن الصلاة هي عماد الدين، وفي هذه العشر يشتد الطلب على القيام والتهجد. ففي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه الله، إلا ازددت به درجة ورفعة». فكل سجدة تسجدها في هذه الليالي هي رفعة لك في الجنة، وحط لخطاياك التي أثقلت كاهلك. كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة».

وتذكروا شأن أهل الأموال الذين استعملوا نعم الله في طاعته، فقد أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين قالوا: ذهب أهل الدثور -أهل الأموال- بالأجور والدرجات العلى والنعيم المقيم؛ بسبب ما هم عليه من جليل الأعمال من الصلاة والصيام والصدقة بفضول أموالهم. ولما علموا بفضيلة الذكر بعد الصلاة ونافسوا فيه الفقراء، نزل قوله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الجمعة: 4].

ليلة القدر: الكنز المكنون

أيها المؤمنون، اختموا شهركم بالتنافس في جليل المشروع من الطاعات، تفوزوا بعظيم ما ادخر الله لكم من المثوبة في هذه الليالي المباركات المعدودات. إن الله تعالى قد ادخر لكم فيها أجوراً لا تخطر على قلب بشر، وخيرات وفيرة على أعمال قد تبدو في ظاهرها يسيرة، لكنها عند الله عظيم.

إن قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً خير من عبادة ألف شهر خالية منها. فمحيي هذه الليالي بالصلاة والذكر يفوز بالغنائم الباردة، وتُغفر له العظائم من الذنوب، ويُعتق من النيران، ويُحشر في زمرة الأخيار مع النبيين والصديقين والشهداء.

ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة؛ فقد كان إذا دخل العشر الأواخر شد المئزر، وأيقظ أهله، وأحيا ليله. كان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها؛ لعلمه بجليل ما ادخر الله لهذه الأمة في هذه الأيام. فكيف بنا ونحن أحوج ما نكون إلى رحمة الله وعفوه؟

حكمة إخفاء ليلة القدر

لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى إخفاء ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. فهي قطعاً في تلك الليالي، لكنها غير معينة لنا بيقين؛ وذلك ليتميز المؤمنون المسارعون في الخيرات عن المتكاسلين. ليظهر المتنافسون في أسباب الفوز بالمغفرة والجنات، الذين يحيون كل ليلة طمعاً في إدراكها، ممن يتبعون الشهوات ويستثقلون الطاعات، الذين يزداد مللهم من الشهر كلما توالت لحظاته.

إن هذا الإخفاء هو ابتلاء واختبار للهمم، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، وقال سبحانه: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 3]. فمن صدق في طلبها، وجدّ في التماسها، لم يخب سعيه بإذن الله.

الخاتمة: دعوة للمسارعة والتوبة

فأروا الله من أنفسكم خيراً في هذه الليالي الباقية، وادخروا عملكم الصالح عنده ذخراً ليوم تشخص فيه الأبصار. توبوا إلى الله من أوزاركم، فإن الذنوب حمل ثقيل يعيق العبد عن السير إلى الله. إن أمامكم عقبة كؤوداً لا يجاوزها إلا المخفون من الأوزار، المثقلون بالحسنات.

تذكروا أن الجنة لا يدخلها إلا المؤمنون، وأن منزل أحدكم فيها يكون بحسب عمله الصالح الموافق للكتاب والسنة. فأكثروا من الصلاة، وتنافسوا في الصدقات، وتضرعوا بالدعاء، لعلكم تفوزون برفيع الدرجات.

ختاماً، تدبروا قول الله تعالى وهو يصف عباده المسارعين: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 – 61].

اجعلوا من هذه العشر نقطة تحول في حياتكم، واستمسكوا بحبل الله المتين، وابتغوا إليه الوسيلة بالعمل الصالح، لعلكم تفلحون وتفوزون برضوان رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *