العقوبات الأميركية على السودان: دوافع سياسية أم تداعيات اقتصادية مدمرة؟

العقوبات الأميركية على السودان: دوافع سياسية أم تداعيات اقتصادية مدمرة؟

مقدمة: سيف العقوبات المسلط على السودان

تتصاعد حدة التوتر بين السودان والولايات المتحدة، مع تلويح واشنطن بفرض عقوبات جديدة على الخرطوم. تأتي هذه التهديدات في ظل اتهامات أمريكية للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الصراع الدائر مع قوات الدعم السريع، وهي اتهامات ترفضها الحكومة السودانية بشدة، وتعتبرها "ابتزازًا سياسيًا وتزييفًا للحقائق". فهل العقوبات المرتقبة مجرد أداة ضغط سياسي، أم أنها ستزيد الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتردية في السودان سوءًا؟

الاتهامات الأمريكية: قنبلة موقوتة أم ذريعة واهية؟

أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، تامي بروس، عن قرب فرض عقوبات على السودان، بعد إخطار الكونغرس، على خلفية اتهامات للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية. وتشمل العقوبات قيودًا على الصادرات الأمريكية وخطوط الائتمان الحكومية.

في المقابل، يرى وزير الثقافة والإعلام السوداني، خالد الإعسر، أن هذه الاتهامات "كاذبة" وتستهدف الجيش السوداني بعد تحقيقه "إنجازات ميدانية غيرت واقع المعركة". ويتساءل مراقبون عن توقيت هذه الاتهامات، التي تتزامن مع تقدم الجيش على الأرض، ما يثير الشكوك حول دوافعها الحقيقية.

الدوافع السياسية: هل هي محاولة لتقويض الجيش؟

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي ضياء الدين بلال أن اتهام الجيش باستخدام أسلحة كيميائية "فِرية جديدة ذات دوافع سياسية، تستهدف تقويض الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة مؤخرا". ويتساءل عن كيفية امتلاك جيش يعاني من نقص الذخيرة والمعدات لأسلحة كيميائية باهظة الثمن.

ويشير بلال إلى أن هذه الاتهامات تعيد إنتاج سيناريوهات مشابهة، مثل قصف مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم عام 1998، والذي تبين لاحقًا أن الأدلة التي استندت إليها واشنطن "لم تكن موثوقة".

غياب الأدلة: علامة استفهام كبيرة

يشكك الخبير العسكري علي سالم في الأدلة التي قدمتها الإدارة الأمريكية، مشيرًا إلى أنها لم تقدم "دليلا أو بيّنات كافية" على استخدام الجيش لأسلحة كيميائية، ولم تحدد موقع الاستخدام أو تاريخه أو عدد الضحايا.

ويوضح سالم أن إثبات استخدام الأسلحة الكيميائية يتطلب وجود أجهزة ومعدات تم استخدامها، أو إخضاع الضحايا لفحوصات طبية، أو أخذ عينات من التربة لفحصها، أو التحقيق من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكل ذلك لم يحدث.

مفارقة: السودان عضو في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

تثير حقيقة انتخاب السودان لعضوية المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية للفترة من 2025 إلى 2027 مفارقة كبيرة، وتسلط الضوء على التناقضات في الموقف الأمريكي.

إدارة الأزمة أم البحث عن حل؟

يرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية لم تكن ترغب في إقرار وقف الحرب خلال محادثات السلام في جدة، بل كانت تسعى لإدارة الأزمة واستمرار القتال لإضعاف الطرفين، وفرض تسوية لا تكون فيها يد الجيش هي العليا.

التداعيات الاقتصادية: ضربة قاصمة للاقتصاد المتهالك

يعتقد المحلل السياسي عثمان ميرغني أن القرار الأميركي محاولة للضغط على الحكومة للعودة إلى المفاوضات. ويرى أن القرار "سيصيب الاقتصاد السوداني في مقتل، وسيؤدي إلى تجميد تواصل المصارف السودانية مع البنوك العالمية".

ويشير خبراء إلى أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية على السودان منذ عام 1997، والتي تم رفعها ظاهريًا في عام 2020، لا تزال مستمرة بشكل غير رسمي، حيث لا تزال المصارف العالمية لا تتعامل مع السودانية، بسبب عدم وفاء الأخيرة بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل "الإرهاب".

العبء الأخلاقي والإنساني

يصف الخبير الاقتصادي هيثم فتحي العقوبات بأنها "عبئا أخلاقيا وإنسانيا وليس أداة ضغط سياسي، وهي لا تسقط الأنظمة ولكنها تسقط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي السوداني".

ويوضح أن العقوبات السابقة تسببت في تعطيل قطاعات اقتصادية حيوية، والتجارة الخارجية، والتحويلات المصرفية العالمية والإقليمية.

الخلاصة: السودان بين مطرقة العقوبات وسندان الصراع

تواجه السودان وضعًا اقتصاديًا وإنسانيًا صعبًا للغاية، وتأتي التهديدات بالعقوبات الأمريكية لتزيد الطين بلة. فبينما تسعى واشنطن لتحقيق أهداف سياسية، يرى الكثيرون أن العقوبات ستؤدي إلى تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين السودانيين، وتعيق جهود تحقيق السلام والاستقرار في البلاد. يبقى السؤال: هل ستستمع الإدارة الأمريكية إلى هذه التحذيرات، أم أنها ستصر على فرض عقوبات قد تكون لها تداعيات كارثية على مستقبل السودان؟

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *