مقدمة: الغدد جارات الدرقية وأهميتها في تنظيم الكالسيوم
هل تعلم أن خلف الغدة الدرقية الصغيرة في رقبتك تقع أربع غدد أصغر، بحجم حبة الأرز تقريبًا، تلعب دورًا حيويًا في صحتك؟ هذه هي الغدد جارات الدرقية، وهي مسؤولة عن إفراز الهرمون الدُّرَيْقي (PTH)، وهو المنظم الرئيسي لمستويات الكالسيوم في الدم والعظام. الكالسيوم ضروري لوظائف الجسم الحيوية، بما في ذلك:
- تقلص العضلات
- نقل الإشارات العصبية
- تخثر الدم
- بناء العظام والأسنان
عندما يحدث خلل في وظيفة هذه الغدد الصغيرة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى مشاكل صحية كبيرة، بدءًا من التشنجات العضلية وصولًا إلى هشاشة العظام واضطرابات القلب. في هذا المقال، سنتعمق في عالم الغدد جارات الدرقية، ونستكشف أمراضها الشائعة، وكيفية تشخيصها وعلاجها بفعالية، مع التركيز على أحدث التطورات في العلاج الجراحي.
ما هي الغدد جارات الدرقية؟
الغدد جارات الدرقية هي غدد صماء صغيرة تقع عادةً خلف الغدة الدرقية في الرقبة. على الرغم من صغر حجمها (حوالي 30-35 ملليغرام)، إلا أنها تلعب دورًا حاسمًا في تنظيم مستويات الكالسيوم في الدم. الهرمون الدُّرَيْقي (PTH) الذي تفرزه هذه الغدد يؤثر على:
- العظام: يحفز إطلاق الكالسيوم من العظام إلى الدم.
- الكلى: يزيد من امتصاص الكالسيوم من الكلى إلى الدم ويقلل من إفراز الفوسفور.
- الأمعاء: يزيد من امتصاص الكالسيوم من الأمعاء بمساعدة فيتامين د.
أمراض الغدد جارات الدرقية: فرط النشاط والقصور
تتأثر الغدد جارات الدرقية أحيانًا باضطرابات تؤثر على قدرتها على أداء وظائفها بشكل صحيح. الاضطرابان الرئيسيان هما:
- فرط نشاط الغدد جارات الدرقية (Hyperparathyroidism): حالة تفرز فيها الغدد الكثير من الهرمون الدُّرَيْقي، مما يؤدي إلى ارتفاع مستويات الكالسيوم في الدم.
- قصور الغدد جارات الدرقية (Hypoparathyroidism): حالة لا تفرز فيها الغدد ما يكفي من الهرمون الدُّرَيْقي، مما يؤدي إلى انخفاض مستويات الكالسيوم في الدم.
فرط نشاط الغدد جارات الدرقية: الأسباب والأعراض
الأسباب:
- نقص فيتامين د: يؤدي إلى تحفيز الغدد على إفراز المزيد من الهرمون الدُّرَيْقي لرفع مستويات الكالسيوم.
- اضطرابات الكلى: تؤثر على قدرة الكلى على تنشيط فيتامين د وامتصاص الكالسيوم.
- الأورام (غالبًا حميدة): تؤدي إلى زيادة إفراز الهرمون الدُّرَيْقي بشكل غير طبيعي.
- تضخم الغدد (Hyperplasia): زيادة في حجم الغدد، مما يؤدي إلى زيادة إفراز الهرمون.
- أسباب وراثية: مثل متلازمة الورم الصماوي المتعدد.
الأعراض:
- هشاشة العظام
- حصى الكلى
- تعب وإرهاق
- آلام في المفاصل والعظام
- اضطرابات في نبض القلب
- جفاف وعطش شديد
- زيادة في التبول
- اضطرابات عصبية وذهنية
قصور الغدد جارات الدرقية: الأسباب والأعراض
الأسباب:
- جراحات الرقبة: خاصة استئصال الغدة الدرقية أو علاج سرطانات الرقبة.
- أمراض المناعة الذاتية: يهاجم الجهاز المناعي الغدد جارات الدرقية.
- أسباب وراثية: ولادة الطفل بدون هذه الغدد.
- نقص المغنيسيوم: المغنيسيوم ضروري لإفراز الهرمون الدُّرَيْقي.
- العلاج الإشعاعي: للوجه أو الرقبة.
- العلاج باليود المشع: للغدة الدرقية.
الأعراض:
- وخز أو خدران في الشفتين وأطراف الأصابع
- تشنجات عضلية، خاصة في الفم واليدين والذراعين
- تعب عام
- هشاشة الأظافر
- تساقط الشعر
- جفاف وخشونة الجلد
- اكتئاب وقلق
- آلام الدورة الشهرية لدى النساء
التشخيص: كيف يتم تحديد خلل الغدد جارات الدرقية؟
يشمل التشخيص عادةً:
- الفحص السريري: للكشف عن التشنجات أو علامات أخرى.
- التحاليل المخبرية:
- قياس مستويات الكالسيوم والفوسفور والهرمون الدُّرَيْقي في الدم.
- قياس مستوى المغنيسيوم.
- قياس إنزيم الفوسفاتاز القلوي (ALP) في حالة فرط النشاط.
- التصوير:
- التصوير التلفزيوني (Ultrasound Scan) أو التصوير النووي (Sestamibi Scan) لتحديد وجود ورم أو تضخم.
العلاج: من الأدوية إلى الجراحة الحديثة
فرط نشاط الغدد جارات الدرقية:
- الجراحة: هي العلاج الأكثر شيوعًا، وتتضمن استئصال الغدة المتضخمة.
- الأدوية: مثل "سيناكالسيت" (Cinacalcet) التي تثبط إفراز الهرمون، تستخدم في الحالات التي لا يمكن فيها إجراء الجراحة.
قصور الغدد جارات الدرقية:
- مكملات الكالسيوم: لرفع مستويات الكالسيوم في الدم.
- هرمون فيتامين "د" الفعّال (Alfacalcidol): للمساعدة في امتصاص الكالسيوم.
- الهرمون الدُّرَيْقي الصناعي (Recombinant PTH): يستخدم في حالات نادرة، ويُعطى عن طريق الحقن تحت الجلد.
التطورات الحديثة في العلاج الجراحي لفرط نشاط الغدد جارات الدرقية
يشير الدكتور سهيل يوسف بكّار، اختصاصي جراحة الغدة الدرقية والغدد الصماء، إلى أن الجراحة هي العلاج الأساسي لفرط الإفراز الأولي للهرمون الناتج عن ورم حميد في إحدى الغدد. وقد شهدت العمليات الجراحية تطورات كبيرة، فبعد أن كانت تتطلب فتحًا جراحيًا واسعًا في الرقبة، أصبح بالإمكان اليوم إجراء عمليات ذات تدخل محدود بفضل التصوير التلفزيوني والنووي الذي يحدد الغدة المصابة بدقة.
تشمل هذه التقنيات الحديثة:
- جراحة محدودة التدخل: من خلال جرح صغير تجميلي في الرقبة.
- جراحة المنظار: عبر الفم أو الرقبة، مما يقلل من حجم الندبة ويسرع التعافي.
مميزات الجراحة الحديثة:
- آمنة جدًا ونسبة نجاحها تتجاوز 98%.
- مضاعفات نادرة (إصابة العصب الصوتي، النزيف، انخفاض مؤقت في الكالسيوم).
- عودة سريعة إلى الحياة الطبيعية (خلال يومين في حالة الجراحة محدودة التدخل).
المتابعة بعد الجراحة:
- مراقبة مستوى الكالسيوم.
- إمكانية وصف مكملات الكالسيوم وفيتامين "د" مؤقتًا.
- متابعة وظائف الكلى والعظام.
أهمية التشخيص المبكر والعلاج الفوري
عدم علاج خلل الغدد جارات الدرقية، سواء في حالة القصور أو فرط النشاط، يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل التشنجات، هشاشة العظام، اضطرابات القلب، ومشاكل الكلى والجهاز العصبي. لذلك، من الضروري التشخيص المبكر والعلاج الفوري لتفادي هذه المضاعفات وتحسين جودة حياة المريض.
الخلاصة: نحو حياة صحية مع الغدد جارات الدرقية
على الرغم من صغر حجمها، تلعب الغدد جارات الدرقية دورًا حيويًا في صحتك. فهم وظائفها وأمراضها المحتملة، بالإضافة إلى التقدم في طرق العلا


اترك تعليقاً