الفكر العربي المعاصر: كيف نتجاوز سجن الأيديولوجيا نحو ميثاق سياسي جديد؟

الفكر العربي المعاصر: كيف نتجاوز سجن الأيديولوجيا نحو ميثاق سياسي جديد؟

لطالما كان العقل البشري أسيراً لدوائر الانحياز المسبق، حيث تجد الصراعات التاريخية والنزاعات العميقة جذوراً لها في الوعي الجمعي الذي يتغذى على الكراهية والتمترس خلف المواقف الثابتة. هذه الحالة ليست وليدة الصدفة، بل هي تجسيد لما وصفه العلامة ابن خلدون بأن "التقليد عريق في النفس البشرية"، وهي القاعدة التي تفسر الكثير من الاضطرابات التي عصفت بالعالم العربي منذ انهيار مظلة الدولة العثمانية وحتى يومنا هذا.

الجذور التاريخية: من سقوط الخلافة إلى ولادة الأنظمة

لم يكن سقوط الدولة العثمانية مجرد حدث سياسي عابر، بل كان لحظة مفصلية أدت إلى ولادة خارطات ذهنية جديدة شكلت هوية الأنظمة السياسية في المنطقة. فمن مصر إلى العراق، ومن سوريا إلى ليبيا والجزائر، برزت أنماط حكم اتسمت بالاستبداد، ورغم اختلاف شعاراتها، إلا أنها تشابهت في بنيتها العميقة القائمة على سرديات تبرر بقاءها في السلطة بأي ثمن.

في المقابل، برز التيار الإسلامي كبديل يبحث عن استعادة الهوية السياسية المفقودة، بقيادة جماعة الإخوان المسلمين التي استغلت الفراغ الذي تركه سقوط الخلافة. وقد وجدت رسائل حسن البنا صدىً لدى زعماء المنطقة في ذلك الوقت، مما مهد الطريق لصراع طويل بين نهجين:

  1. التيار القومي العروبي: الذي دعمته دول تسعى للتحرر والوحدة تحت مظلة أنظمة جمهورياتية.
  2. التيار الإسلامي: الذي وجد دعماً في سياقات أخرى كبديل للهوية الوطنية الضيقة.

هذا الانقسام أدخل المنطقة في "حرب باردة" داخلية، زاد من حدتها التنافس على النفوذ الإقليمي والحدود الهشة للدول الناشئة. ورغم استقرار بعض الممالك العربية وتجنبها لهزات الانقلابات، إلا أن النظام الإقليمي ككل ظل هشاً، يعتمد على الشعارات أكثر من المؤسسات.

سيكولوجيا الصراع: لماذا ندور في حلقة مفرغة؟

يشير الدكتور صلاح زرتوقة في دراساته حول انتقال السلطة إلى أن العنف ظل السمة الغالبة، حتى في الأنظمة التي تبدو مستقرة ظاهرياً. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تعجز المنطقة عن إنتاج نموذج إقليمي مستقر؟

الإجابة لا تكمن في غياب الأفكار، بل في "الخارطات الذهنية العاطفية" (Cognitive Affective Maps). هذا المفهوم الذي طوره الفيلسوف الكندي بول ثاغارد، يوضح كيف تتشابك العواطف والدوافع مع المعتقدات لتشكل أيديولوجيا صلبة توجه السلوك السياسي. نحن لا نرى العالم كما هو، بل كما تمليه علينا انحيازاتنا وذكرياتنا التاريخية المشحونة.

الأيديولوجيا كـ "سجن" ذهني

وفقاً لرؤية كارل بوبر، يعيش الفاعلون السياسيون في "سجون أيديولوجية" تمنعهم من الخيال السياسي الجديد. فالأيديولوجيا هنا ليست مجرد فكر، بل هي "إدمان" كيميائي في الدماغ؛ حيث يشبع التمسك بالمواقف المتطرفة حاجة نفسية مرتبطة بهرمونات الأدرينالين والدوبامين، مما يعطل ملكة الإبداع والحلول المبتكرة.

المشهد العربي الحالي يتحرك ضمن متوالية مغلقة تتكون من:

  • أفكار قديمة ومستهلكة.
  • انحيازات راسخة غير قابلة للنقاش.
  • إعلام تعبوي يغذي الصراع.
  • غياب تام للحلول الإبداعية.

ميثاق عربي جديد: نحو أفق أوسع

للخروج من هذه الدوامة، نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ "ميثاق التحرر من الانحيازات". هذا الميثاق لا يهدف إلى الوحدة الاندماجية بقدر ما يهدف إلى خلق مساحة مشتركة للعقل والعمل، ويقوم على المبادئ التالية:

  • الاعتراف المتبادل: قبول وجود الآخر كحق أصيل، وتجاوز لغة التخوين والإقصاء.
  • تحييد القطاعات الحيوية: إبعاد قضايا التعليم، التقنية، الرياضة، والفن عن التجاذبات السياسية والأيديولوجية.
  • بناء سردية المستقبل: تحويل الخطاب الإعلامي من تحليل "الماضي الأليم" إلى بناء تصورات "المستقبل الممكن".
  • الإبداع السياسي: كسر القواعد التقليدية في التفكير وإيجاد حلول "خارج الصندوق" للأزمات المزمنة.

الخاتمة: زلزال صامت من أجل الأجيال الق

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *