سر الارتباط بالقهوة.. لماذا يصعب التخلي عن “المعشوقة السمراء”؟
يعد التخلي عن فنجان القهوة الصباحي أحد أكبر التحديات التي تواجه ملايين المسلمين خلال شهر رمضان المبارك. فمع الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر وحتى الغروب، يجد الكثيرون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تقلبات مزاجية وجسدية حادة. وتعود جذور هذه العلاقة مع القهوة إلى القرن التاسع الميلادي، حيث تروي الأساطير قصة راعي الماعز العربي الذي اكتشف نشاط قطيعه بعد تناول ثمار شجيرة القهوة، لتنتقل لاحقاً من إثيوبيا إلى اليمن في القرن الخامس عشر، وتصبح المشروب العالمي الأول الذي لا يُستغنى عنه.
الأعراض الانسحابية للكافيين: لماذا نشعر بالتوتر والصداع؟
تؤكد أخصائية التغذية العلاجية، فاتن النشاش، أن التوتر الذي يشعر به الصائمون يعود بشكل رئيسي إلى “الأعراض الانسحابية” الناجمة عن التوقف المفاجئ عن الكافيين. وتوضح النشاش أن الجسم يعتاد على مستويات معينة من هذه المادة في مواعيد محددة، وعند غيابها، يبدأ الدماغ بإرسال إشارات تظهر على شكل صداع شديد، إرهاق، وتوتر عصبي. ويزداد هذا الشعور تعقيداً مع الإجهاد الجسدي الطبيعي الناتج عن الصيام.
من جانبه، يصف الدكتور غسان قعوار، استشاري أمراض الباطنية والقلب، الكافيين بأنه مادة “متناقضة التأثير”؛ فبينما تمنح البعض النشاط، قد تسبب للآخرين الأرق، لافتاً إلى أن استجابة الأجسام تختلف من شخص لآخر، وأن الجسم يبدأ تدريجياً في التأقلم مع النظام الجديد في أواخر شهر رمضان.
القهوة والإدمان: رؤية طبية أعمق
يرى جراح الأعصاب الدكتور باباك غرائى مقدم، أن التوقف المفاجئ عن القهوة يشبه إلى حد ما التوقف عن التدخين، وإن كان بدرجة أقل حدة. ويشير في حديثه لـ بي بي سي إلى أن الكافيين يؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي، مما يجعل البعض يشعرون بالتعب بعد مرور ساعات قليلة فقط من موعدهم المعتاد لتناول القهوة. ومع ذلك، يطمئن الدكتور مقدم الصائمين بأن القهوة ليست ضارة كالتدخين، بل لها فوائد جمة في تحسين التركيز واليقظة، وتدخل حتى في تركيبات أدوية الصداع النصفي.
الحدود الآمنة للكافيين وتحذيرات مشروبات الطاقة
تضع المنظمات الصحية، ومنها “مايو كلينك”، معايير واضحة للاستهلاك الآمن للكافيين. فبالنسبة للبالغين، يفضل عدم تجاوز 400 ملغ يومياً (حوالي 4 أكواب)، بينما تنخفض هذه النسبة للحوامل إلى 200 ملغ. وتحذر أخصائية التغذية النشاش من مشروبات الطاقة التي تحتوي على نسب مرتفعة جداً من الكافيين، مؤكدة أنها قد تسبب اضطرابات في ضربات القلب ولا ينصح بها بتاتاً، خاصة في فترات الصيام.
خطة عملية لتجنب توتر القهوة في رمضان
لضمان صيام هادئ وبدون أعراض انسحابية مزعجة، يقدم الخبراء مجموعة من النصائح الذهبية:
- التدرج هو السر: ينصح بالبدء بتقليل كميات القهوة قبل رمضان بـ 15 إلى 20 يوماً، مع تأخير موعد الفنجان الأول بمقدار 15 دقيقة يومياً.
- توقيت الشرب في رمضان: تنصح النشاش بتجنب بدء الإفطار بالقهوة منعاً لاضطرابات الجهاز الهضمي، ويفضل شربها بعد ساعة من وجبة الإفطار. بينما يقترح الدكتور قعوار شربها عند السحور لضمان بقاء مفعولها لأطول فترة ممكنة خلال النهار.
- خيار القهوة منزوعة الكافيين: يمكن اللجوء للقهوة منزوعة الكافيين (Decaf) كحل وسط لإرضاء الرغبة في المذاق دون التأثير على الجهاز العصبي.
- العامل النفسي والإيماني: يشير الدكتور مقدم إلى أن القوة الإيمانية والروحية للصائم تلعب دوراً كبيراً في تهدئة الجهاز العصبي، مما يجعل التكيف مع غياب الكافيين أسهل مما هو عليه في الأيام العادية.
في الختام، يبقى الاعتدال هو القاعدة الأساسية. إن مراقبة استهلاكك للكافيين والبدء بخطوات تقليل تدريجية سيضمن لك انتقالاً سلعاً نحو صيام صحي، بعيداً عن نوبات الصداع والتوتر التي قد تعكر صفو الشهر الفضيل.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً