اللاجئون في مصر بين الحماية والترحيل: القصة الكاملة للحملات الأمنية وتقنين الأوضاع

اللاجئون في مصر بين الحماية والترحيل: القصة الكاملة للحملات الأمنية وتقنين الأوضاع

موجة توقيفات مفاجئة: قصص من قلب المعاناة

في زاوية ضيقة لا تتعدى مساحتها 16 متراً مربعاً داخل قسم شرطة بمدينة السادس من أكتوبر، عاش الشاب السوري “رامي” ستة أيام من القلق انتهت بترحيله القسري إلى بلاده. قصة رامي، الذي كان يعمل حلاقاً في مصر لمدة أربع سنوات، ليست سوى فصل واحد من رواية أوسع تشهدها الساحة المصرية مؤخراً، حيث تزايدت التقارير حول حملات أمنية تستهدف فحص أوراق إقامة الأجانب، مما وضع آلاف اللاجئين في مصر أمام تحديات قانونية وإنسانية معقدة.

يروي رامي لبي بي سي تفاصيل توقيفه من قبل رجال أمن بزي مدني بسبب انتهاء صلاحية إقامته، رغم محاولاته المستمرة لتقنين وضعه بعد إلغاء تأشيرات السياحة للسوريين في عام 2024. هذه الحالة تعكس واقعاً جديداً يواجهه المهاجرون، حيث لم يعد الحصول على “الكارت الأصفر” من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ضماناً كافياً لتجنب الاحتجاز أو الترحيل في بعض الحالات.

وفيات قيد التحقيق وتساؤلات حول ظروف الاحتجاز

تجاوزت الأزمة حدود الترحيل لتصل إلى تسجيل حالات وفاة مأساوية داخل مقار الاحتجاز، مما أثار ردود فعل حقوقية واسعة. قضية المواطن السوداني مبارك قمر الدين (67 عاماً)، الذي توفي في قسم شرطة الشروق، تصدرت المشهد بعد أن أكدت عائلته حيازته لبطاقة لجوء سارية المفعول. وفيما تنتظر العائلات تقارير الطب الشرعي، تكررت حوادث مشابهة للشاب السوداني النذير الصادق ومواطن آخر في قسم العجوزة، وسط تقارير عن تكدس شديد وسوء تهوية.

من جانبها، لم تصدر وزارة الداخلية المصرية بيانات رسمية تفصيلية حول هذه الوقائع، إلا أن النيابة العامة تباشر التحقيقات في الظروف المحيطة بهذه الوفيات للتأكد من مسبباتها الحقيقية، سواء كانت صحية أو ناتجة عن ظروف الاحتجاز.

التحدي القانوني: الكارت الأصفر وقانون اللجوء الجديد

يعتبر الكارت الأصفر الوثيقة الأساسية التي تمنحها مفوضية اللاجئين لطالبي اللجوء في مصر، وهو يوفر نظرياً حماية من الإعادة القسرية. ومع ذلك، تشير الشهادات الميدانية إلى وجود “فجوة زمنية” بين الحصول على بطاقة المفوضية والحصول على موعد الإقامة الرسمي من إدارة الجوازات، وهي الثغرة التي يقع فيها الكثيرون ضحية للتوقيف.

يأتي هذا في وقت حذر فيه مقررون أمميون من أن قانون اللجوء الجديد الصادر عام 2024 قد يُدخل اللاجئين في “فراغ قانوني”. القانون، الذي يهدف إلى تنظيم تواجد ملايين الأجانب، يمنح السلطات صلاحيات واسعة للاحتجاز والترحيل بناءً على اعتبارات الأمن القومي والنظام العام، وهي مصطلحات يراها الحقوقيون فضفاضة وقد تُستخدم بشكل تعسفي.

الرؤية الرسمية: الأمن القومي وحصر الأعداد

في المقابل، تدافع وجهة النظر الرسمية عن هذه الإجراءات باعتبارها ضرورة أمنية ملحة. ويرى السفير حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية السابق، أن ما يحدث هو عملية “تقنين أوضاع” لملايين اللاجئين الذين دخل الكثير منهم البلاد دون تأشيرات رسمية نتيجة الأزمات في دول الجوار. ويؤكد هريدي أن الدولة من حقها معرفة خلفيات المقيمين وانتماءاتهم لضمان عدم تسلل عناصر تهدد الأمن القومي.

بدوره، يوضح اللواء فاروق المقرحي أن الفحص الأمني قد يستغرق وقتاً طويلاً بسبب الأعداد الكبيرة، مشيراً إلى أن السلطات تتعامل بمرونة مع الحالات التي يثبت التزامها بالقانون، حيث يتم تبكير مواعيد الإقامة لبعض الموقوفين بدلاً من ترحيلهم، مما ينفي صفة التعسف الممنهج.

أرقام وحقائق: مصر كوجهة لجوء كبرى

تستضيف مصر، وفقاً للتصريحات الرسمية، نحو 10.7 مليون مهاجر ولاجئ من 62 جنسية مختلفة. ويمثل اللاجئون المسجلون لدى المفوضية أكثر من 1.1 مليون شخص، الغالبية العظمى منهم من السودانيين (76%) يليهم السوريون (10%). وتؤكد الحكومة المصرية دائماً على سياسة “الاندماج دون مخيمات”، حيث يعيش اللاجئون في مصر وسط المجتمع ويحصلون على الخدمات الأساسية أسوة بالمصريين، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في عدة مناسبات.

قلق من خطاب الكراهية وضغوط اقتصادية

بعيداً عن الإجراءات القانونية، برزت مخاوف جديدة تتعلق بتصاعد خطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي. نقابة الصحفيين السودانيين حذرت من أثر هذا الخطاب على استقرار اللاجئين الفارين من الحرب، مؤكدة أن الاحتقان المتزايد يزيد من معاناة الأسر التي تعيش بالفعل ظروفاً اقتصادية ونفسية صعبة. ومع تمديد مهلة توفيق الأوضاع حتى سبتمبر 2026، يبقى الأمل معلقاً على توازن دقيق تحققه الدولة بين متطلبات الأمن القومي والالتزامات الدولية والإنسانية تجاه “ضيوف مصر”.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *