المستنقع اللبناني: قراءة في تكرار سيناريوهات الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان
يرى المحللون خوان كاباسيس فيغا وأنطونيو بيتا أن إسرائيل تسير اليوم على خطى تاريخية مألوفة، حيث تعيد إنتاج نمط غزوها لجنوب لبنان وسط تحذيرات جدية من الغرق في المستنقع اللبناني مرة أخرى. هذا التصعيد، الذي يستهدف المدنيين بشكل مباشر، قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً، حيث يساهم في ترسيخ دور حزب الله بدلاً من إضعافه.
لعنة التاريخ: من 1982 إلى 2024
في مقال نشرته صحيفة "إل باييس" الإسبانية، أشار الكاتبان إلى أن مصطلح "الوحل" أو "المستنقع" عاد ليتصدر الذاكرة الإسرائيلية. فالمواجهة التي بدأت عام 1982 بوعود تحقيق "أمن حاسم" ضد منظمة التحرير الفلسطينية، انتهت بانسحاب مرير بعد 18 عاماً من حرب الاستنزاف. والمفارقة تكمن في أن حزب الله نفسه ولد من رحم ذلك الغزو، وهو ما يثير التساؤلات حول جدوى تكرار الخطاب ذاته اليوم.
لقد تحول هذا الإرث التاريخي إلى مادة رمزية قوية؛ حيث يستعرض حزب الله في "متحف مليتا" حطام الآليات الإسرائيلية، وهي المشهدية التي جسدتها السينما الإسرائيلية في فيلم "بوفور" الشهير.
الغزو الخامس والمربع الأول
بقيادة بنيامين نتنياهو، تجد إسرائيل نفسها تعود إلى المربع الأول في غزو هو الخامس من نوعه (بعد أعوام 1978، 1982، 2006، و2024). وفي كل مرة، يتم تسويق العملية للجمهور الإسرائيلي بوصفها "الجهد النهائي" لتأمين الحدود الشمالية، إلا أن الواقع الميداني يظهر صورة مغايرة:
- توسع ميداني: يتجاوز الجيش الإسرائيلي نقاط تمركزه، منتهكاً الهدن السابقة.
- خسائر بشرية: وثقت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 1189 شخصاً في التصعيد الأخير، بينهم أطفال ومسعفون وصحفيون.
- عسكرة المنطقة: تحذر مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي، من أن خيار القوة سيخلق قوى مقاومة جديدة ويزيد من بؤس المنطقة.
تكتيكات حزب الله: حرب العصابات واللامركزية
رغم الضربات القاسية التي تلقاها الحزب، بما في ذلك اغتيال حسن نصر الله وتفجيرات أجهزة الاتصال، إلا أن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى أن الحزب لم يُدمر بعد.
القدرات العسكرية المتبقية:
- مخزون صاروخي: الاحتفاظ بنحو 20% من القدرات الصاروخية (حوالي 20-25 ألف صاروخ).
- سلاح المسيرات: امتلاك نحو ألفي طائرة مسيرة.
- إستراتيجية اللامركزية: التحول إلى مجموعات صغيرة متحركة تعتمد تكتيكات حرب العصابات لإغراق القوات الغازية في المستنقع.
الأهداف المعلنة والأجندة التوسعية
كشف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، عن مخطط يهدف لاحتلال وتفريغ 10% من الأراضي الحدودية اللبنانية، وهي مساحة توازي ضعفي مساحة قطاع غزة. تبرر إسرائيل ذلك بإنشاء "منطقة أمنية"، وهو العذر ذاته الذي استُخدم سابقاً لتبرير حصار بيروت ومجازر صبرا وشاتيلا.
في المقابل، يرى اللبنانيون في هذا التحرك "أجندة توسعية" تتخطى حدود غزة لتشمل لبنان وسوريا، مما يمنح حزب الله منطقاً قوياً للاحتفاظ بسلاحه تحت شعار حماية البلاد من "النموذج الغزي".
الخلاصة: إن محاولة إسرائيل حل معضلتها الأمنية عبر القوة العسكرية وحدها في لبنان، دون أفق دبلوماسي، قد لا تؤدي إلا إلى تعميق غرقها في المستنقع اللبناني، وخلق أجيال جديدة من المقاومة التي ولدت أصلاً من رماد الاجتياحات السابقة.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً