بزشكيان يكسر الجمود ويعلن انطلاق المفاوضات النووية المباشرة
في خطوة دبلوماسية مفاجئة، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يوم الثلاثاء عن صدور تعليمات رسمية لوزير خارجيته، عباس عراقجي، لتمثيل طهران في جولة جديدة من المفاوضات النووية المباشرة مع الولايات المتحدة. تأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية، بعد أن لوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعواقب وصفها بـ “السيئة” في حال فشل الأطراف في التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة المستمرة منذ سنوات.
وعبر منصة “إكس”، أوضح بزشكيان رؤيته لهذه الخطوة، مؤكداً أنه يسعى لمفاوضات “عادلة ومنصفة”، لكنه اشترط توفر بيئة ملائمة تخلو من التهديدات والتوقعات غير المنطقية، مشدداً على أن المصالح الوطنية الإيرانية ستكون البوصلة الوحيدة في هذه المحادثات المرتقبة.
قمة إسطنبول السرية: كبار المسؤولين على طاولة واحدة
كشفت تقارير صحفية، نقلتها “واشنطن بوست” عن مصادر مطلعة، أن مدينة إسطنبول التركية ستكون مسرحاً لهذا اللقاء الاستثنائي. ومن المتوقع أن يحضر المحادثات وفد أمريكي رفيع المستوى يضم ستيف ويتكوف، الممثل الخاص لترامب لشؤون الشرق الأوسط، وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، إلى جانب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ويُعد هذا اللقاء واحداً من المرات النادرة التي يجلس فيها مسؤولون من البلدين وجهاً لوجه منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في 2018.
وفي حين لم يصدر البيت الأبيض تعليقاً رسمياً بعد، تشير التقارير إلى أن الجدول الزمني للمحادثات قد ينطلق خلال أيام، رغم أن التغيرات المتسارعة في المنطقة قد تؤدي إلى تعديله في أي لحظة، خاصة مع وصول مبعوث ترامب، ويتكوف، إلى تل أبيب للقاء مسؤولين أمنيين إسرائيليين.
ضغوط ميدانية وضربات عسكرية تسبق الحوار
تأتي هذه العودة إلى طاولة المفاوضات على خلفية تصعيد عسكري وسياسي غير مسبوق. ففي صيف عام 2025، نفذت الولايات المتحدة عملية “مطرقة منتصف الليل”، وهي سلسلة ضربات دقيقة استهدفت منشآت نووية إيرانية، أعقبت عمليات إسرائيلية واسعة النطاق استهدفت علماء وبنية تحتية نووية. وبالتزامن مع هذه التحركات، أرسلت واشنطن حاملة طائرات إلى المنطقة لتعزيز وجودها العسكري.
من جانبه، حذر المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، من اندلاع “حرب إقليمية” شاملة في حال أقدمت الولايات المتحدة على شن هجوم جديد، بينما أكد وزير الخارجية عباس عراقجي لشبكة “سي إن إن” أن التوصل إلى اتفاق يبقى “ممكناً”، مشيراً إلى أن طهران تتفق مع ترامب في عدم الرغبة بامتلاك أسلحة نووية، مقابل رفع شامل للعقوبات الاقتصادية.
أزمات داخلية وتدخلات دولية
داخلياً، تواجه السلطات الإيرانية ضغوطاً متزايدة عقب موجة احتجاجات واسعة اندلعت في أواخر عام 2025 احتجاجاً على غلاء المعيشة. وأفادت التقارير بمقتل الآلاف خلال هذه الاضطرابات، واعتقال العشرات من الأجانب بتهمة التحريض. وقد دخلت فرنسا على خط الأزمة، حيث صرح وزير خارجيتها جان نويل بارو بأن أي مفاوضات يجب أن تبدأ بملف القمع الداخلي وحقوق الإنسان قبل التطرق للملف النووي.
وفي المقابل، يرى مراقبون إقليميون، من بينهم المستشار الرئاسي الإماراتي أنور قرقاش، أن إيران في أمسّ الحاجة اليوم لاتفاق مع واشنطن لإعادة بناء علاقاتها الدولية وتخفيف العزلة الاقتصادية المفروضة عليها.
تاريخ من المفاوضات: من إعلان سعد آباد إلى فيينا
يستعرض الملف النووي الإيراني تاريخاً طويلاً من المحاولات الدبلوماسية المتعثرة. فمنذ عام 2003 مع إعلان سعد آباد، مروراً بجولات بون ولندن ومبادرة طهران 2010، وصولاً إلى اتفاق 2015 الشامل (JCPOA)، ظلت العلاقة تتأرجح بين الانفراج والانسداد. ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، يتساءل المحللون عما إذا كانت مفاوضات إسطنبول ستنجح في صياغة اتفاق جديد ينهي عقوداً من الصراع، أم أنها ستكون فصلاً جديداً من فصول المماطلة السياسية.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً