المواظبة على الأوراد: دليل السالكين للوصول إلى محبة الله

# المواظبة على الأوراد: منار السالكين ومعراج العارفين بقلم ملا علي القاري

إنَّ سعي الإنسان في هذه الحياة الدنيا مهما تعددت غاياته وتنوعت مشاربه، يظلُّ في جوهره بحثاً دؤوباً عن الطمأنينة والسكينة، ولا طمأنينة حقيقية إلا في القرب من مسبِّب الأسباب وفاطر السماوات والأرض. ومن هنا، وضع لنا كبار علماء الأمة وعارفوها معالم واضحة لهذا الطريق، ومن أبرز هذه المعالم ما خطَّه الإمام ملا علي القاري في كلماته النيرة حول المواظبة على الأوراد.

جوهر الطريق: لماذا الأوراد؟

يفتتح الإمام كلامه بتقرير حقيقة إيمانية كبرى، وهي أن «المواظبة على الأوراد هو الطريق إلى اللّٰه للعِباد، وخواصهم من الزهاد والعُبّاد». فالورد ليس مجرد كلمات تُردد، أو طقوس تُؤدى، بل هو الحبل الممدود بين العبد وربه، وهو الزاد الذي يتقوى به السالك في مفازات الدنيا.

إنَّ الناظرين بنور البصيرة، أولئك الذين انقشعت عن قلوبهم غشاوة الغفلة، أدركوا يقيناً أنه لا نجاة للعبد في مآله إلا بلقاء الله عز وجل. وهذا اللقاء ليس مجرد حدث زمني، بل هو حالة روحية تبدأ في الدنيا وتكتمل في الآخرة. ولن يكون هذا اللقاء نجاةً إلا إذا كان العبد قد أعدَّ له عدته، وأهم هذه العدة هي المحبة والمعرفة.

شرط النجاة: الموت على المحبة والمعرفة

يؤكد الإمام أنَّ «لا سبيل إلى اللقاء إلا بأن يموت العبد محبًّا لله وعارفًا بمولاه». وهنا تبرز الإشكالية الكبرى: كيف نصل إلى هذه المحبة؟ وكيف نرسخ هذه المعرفة في قلوبنا وسط ضجيج الشهوات وصوارف الدنيا؟

المحبة ليست ادعاءً باللسان، بل هي حالة استغراق تام في المحبوب. ويشرح ملا علي القاري هذه الآلية الروحية بقوله: «إن المحبة والأنس لا يحصل إلا من دوام ذكر المحبوب، والمواظبة على فكر المطلوب». فالعلاقة طردية؛ فكلما زاد الذكر، زاد الأنس، وكلما زاد الأنس، تمكنت المحبة من سويداء القلب.

ثنائية الذكر والفكر: جناحان للطيران

لا يكتمل طريق الوصول إلا بجناحين: الذكر والفكر.

1. الذكر: هو دوام استحضار عظمة الله باللسان والقلب، وهو الوقود الذي يحرق شوائب الغفلة.
2. الفكر: هو إعمال العقل والبصيرة في صفات الله وأفعاله ومصنوعاته.

يقول الإمام: «وإن المعرفة لا تحصل إلا بدوام الذكر والفكر فيه، وفي صفاته وأفعاله، وليس في الوجود سوى ذاته وصفاته وأفعاله في مصنوعاته». فكل ما نراه في هذا الكون الفسيح هو تجلٍّ لأسماء الله وصفاته، والكون كله «كتاب منظور» يدعو السالك إلى التدبر.

إنَّ الفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفي دقة الصنع، وفي عظيم القدرة، يورث القلب تعظيماً، وهذا التعظيم هو مقدمة المعرفة. والمعرفة بدورها هي التي تولد المحبة والشوق للقاء.

العوائق والحلول: توديع الدنيا

يدرك السالك أنَّ النفس البشرية تميل بطبعها إلى الراحة والشهوات، وهنا يضع الإمام العلاج الحاسم: «ثم لم يتيسر دوام الذكر المحبوب والفكر إلا بتوديع الدنيا وشهواتها».

توديع الدنيا لا يعني اعتزال الحياة بالضرورة، بل يعني إخراج حبها من القلب. هو الاكتفاء منها بـ «قدر البلغة وضرورياتها». فالمسافر لا يحمل معه في رحلته إلا ما يبلغه وجهته، والسالك إلى الله مسافر في طريق الآخرة، وكل حمل زائد من شهوات الدنيا هو عائق يثقله ويمنعه من الترقي في مدارج السالكين.

كيف نحقق الاستغراق في الأذكار؟

إنَّ الوصول إلى مرتبة الاستغراق يتطلب تنظيماً دقيقاً للوقت. يقول الإمام: «وكل ذلك لا يتم إلا باستغراق أوقات الليل وساعات النهار في وظائف الأذكار ولطائف الأفكار».

وهنا يمكننا استنباط منهج عملي للمواظبة:

  • تخصيص أوقات ثابتة: الالتزام بأوراد الصباح والمساء، وأذكار ما بعد الصلوات.
  • الخلوة الفكرية: تخصيص وقت يومي للتأمل في خلق الله وفي نعمته على العبد.
  • تقليل الفضول: تقليل فضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول المخالطة، ليتفرغ القلب للذكر.
  • المحاسبة: أن يحاسب العبد نفسه على أوقات الغفلة التي ضاعت منه دون ذكر أو فكر.

أثر المواظبة على الأوراد في حياة العبد

عندما تصبح المواظبة على الأوراد ديدناً للعبد، تظهر آثارها على جوارحه وسلوكه. فالذكر يورث الهيبة، والفكر يورث الحكمة، والزهد يورث الحرية. العبد المواظب على ورده يعيش في جنة معجلة في الدنيا قبل جنة الآخرة، وهي جنة الأنس بالله.

يقول العارفون إنَّ الورد هو الوارد؛ فبقدر ما يكون لك من ورد وتوجه إلى الله، يكون لك نصيب من الواردات الإلهية، والفتوحات الربانية، والسكينة التي تنزل على القلوب الذاكرة.

مراتب العباد في الأوراد

يقسم الإمام السالكين إلى مراتب:

1. العباد: وهم الذين يواظبون على الأوراد طمعاً في الثواب وخوفاً من العقاب، وهم على خير عظيم.
2. الزهاد والعُبّاد (الخواص): وهم الذين ترقوا في مدارج المحبة، فأصبحت الأوراد عندهم ليست تكليفاً بل تشريفاً، وليست وظيفة بل هي روح حياتهم.

هؤلاء الخواص هم الذين «علموا بنور البصيرة» أنَّ حقيقة الوجود هي الله، وأنَّ ما سواه فانٍ. فاستغرقوا في ذكره حتى غابوا به عمن سواه.

الخاتمة: دعوة للبدء

إنَّ كلمات الإمام ملا علي القاري ليست مجرد تنظير صوفي، بل هي خارطة طريق عملية لكل من أراد النجاة. إنَّ المواظبة على الأوراد هي الباب الذي منه يدخل العبد على ملك الملوك.

فيا أيها السالك، ابدأ بوردك ولو قلّ، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل. اجعل لك نصيباً من الليل، ونصيباً من الفكر في آلاء الله، وودع الدنيا بقلبك وإن كانت في يدك، لتصل في نهاية المطاف إلى تلك اللحظة التي تموت فيها محباً لله، عارفاً بمولاك، مستبشراً بلقائه.

إنَّ الطريق طويل، والعمر قصير، والزاد هو التقوى، وسفينة النجاة هي ديمومة الذكر والفكر. فاجعل أوقاتك عامرة بـ «لطائف الأفكار» وقلبك نابضاً بـ «وظائف الأذكار»، لتكون من الفائزين بنعيم القرب والوصال.


*تمت إعادة الصياغة بتصرف بناءً على نص الإمام ملا علي القاري.*

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *