جحيم خلف الجدران: شهادات حية تكشف كواليس السجون السرية في عدن
بين ليلة وضحاها، وجد الشاب اليمني "عبد الرحمن" نفسه معصوب العينين، مسلوب الإرادة، ومنفياً في غيابات السجون السرية في عدن. لم تكن جريمته سوى أنه كان في المكان الخطأ أو ربما في التوقيت الخطأ، لتبدأ رحلة من العذاب استمرت لسنوات داخل زنازين تديرها تشكيلات أمنية بعيداً عن أعين القضاء.
رحلة الغياب: من الاختطاف إلى المجهول
يروي عبد الرحمن (اسم مستعار) لـ "الجزيرة نت" تفاصيل مروعة عن فترة اعتقاله التي بدأت من أحد شوارع عدن وانتهت بعد ثلاث سنوات من الإخفاء القسري في أواخر عام 2023. تنقل خلالها بين أربعة مراكز احتجاز سرية في مديرية التواهي، جميعها تخضع لإشراف قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.
أبرز مراكز الاحتجاز التي ذكرتها الشهادات:
- سجن قاعة وضاح.
- سجن فتح.
- سجن القصر المدوّر.
- سجن شلال (يقع داخل منزل قيادي أمني بارز).
هندسة الرعب: زنازين تحت الأرض وأساليب تعذيب وحشية
لم تكن تلك السجون مجرد غرف احتجاز، بل كانت "ثقوباً سوداء" أُنشئ بعضها تحت الأرض وفي مبانٍ مدنية. يصف عبد الرحمن ظروف الاحتجاز قائلاً: "لم يعلم أهلي إن كنت حياً أم ميتاً".
أما عن أساليب التعذيب، فقد وثقت الشهادة أنماطاً قاسية تشمل:
- التعذيب الجسدي: الضرب المبرح والصعق بالكهرباء.
- التعذيب النفسي: العزل التام والإيهام بالغرق.
- الأوضاع المؤلمة: التعليق من الأطراف والبقاء في وضعيات جسدية منهكة لفترات طويلة.
نتج عن هذه الممارسات إصابات مستديمة لعبد الرحمن، شملت شرخاً في الجمجمة وتمزقاً في الجهاز العصبي، مما اضطره للسفر إلى الخارج لتلقي العلاج بعد الإفراج المشروط عنه بتعهدات تمنعه من الحديث عما جرى.
ملف السجون السرية: أرقام وتقارير دولية
منذ عام 2016، ومع الفراغ الأمني الذي شهدته المحافظات الجنوبية، برزت ظاهرة السجون غير القانونية. وتشير تقارير من "أسوشيتد برس" ومنظمات مثل "هيومن رايتس ووتش" إلى:
- وجود أكثر من 20 موقع احتجاز سري.
- اختفاء نحو 2000 شخص قسرياً خلال عامي 2017 و2018 فقط.
- تعدد الجهات المشرفة على هذه السجون بعيداً عن رقابة النيابة العامة.
قضايا هزت الرأي العام
لا تقتصر المأساة على عبد الرحمن، بل تمتد لتشمل حالات فارقت الحياة أو لا تزال مصائرها مجهولة، مثل:
- أنيس الجردمي: توفي نتيجة التعذيب بعد شهرين من اختطافه.
- الشيخ عبد القادر الشيباني: اختطف رغم مرضه وتوفي بعد فترة وجيزة من الإفراج عنه.
- المقدم علي عشّال الجعدني: قضية إخفاء قسري أثارت غضباً قبلياً وحقوقياً واسعاً في عدن.
القرارات الرئاسية.. هل تنهي المعاناة؟
أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، توجيهات بإغلاق كافة السجون غير القانونية والإفراج عن المعتقلين الذين لم تثبت إدانتهم. ورغم ترحيب وزارة العدل بهذه الخطوة، إلا أن الحقوقيين، ومنهم توفيق الحميدي رئيس منظمة "سام"، يؤكدون أن القرار الإداري لا يكفي.
المطالب الحقوقية الراهنة:
- تحويل مواقع الاحتجاز إلى "مسارح جريمة" للمعاينة الجنائية.
- محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
- الكشف الفوري عن مصير المخفيين قسراً منذ سنوات.
يبقى ملف السجون السرية في عدن جرحاً نازفاً في جسد الحقوق والحريات باليمن، وبين الوعود السياسية والواقع المرير، تنتظر مئات الأسر إجابة واحدة: "أين أبناؤنا؟".
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً