العودة من حافة الهاوية: يوم عالمي للاحتفاء بالنمر العربي
يمثل العاشر من فبراير/ شباط من كل عام منعطفاً حاسماً في أجندة البيئة العالمية، بعدما اعتمدته الأمم المتحدة يوماً عالمياً للاحتفاء بـ “النمر العربي”، أحد أندر وأجمل الكائنات المفترسة التي اتخذت من تضاريس شبه الجزيرة العربية موطناً لها. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو صرخة استغاثة دولية لإنقاذ كائن يصارع شبح الاندثار التام، وتأكيد على القيمة البيئية والثقافية التي يمثلها في الوجدان العربي.
خصائص فريدة: أصغر النمور حجماً وأكثرها مهارة
يتميز النمر العربي بخصائص فيزيائية تجعله يتكيف ببراعة مع البيئات الجبلية والصحراوية القاسية. فهو يُصنف كأصغر أنواع النمور في قارتي أفريقيا وآسيا، حيث يبلغ حجم الذكر نحو نصف حجم نظيره الأفريقي، بوزن يتراوح بين 24 و34 كيلوغراماً، بينما تكون الإناث أصغر حجماً بوزن لا يتجاوز 23.5 كيلوغراماً. ويمتلك هذا السنور ذيلاً طويلاً يمنحه توازناً استثنائياً أثناء تسلقه الصخور الجبلية الوعرة، كما يمتاز بفرائه الفاتح المائل للذهبي وعيونه الزرقاء الساحرة، وبقعه التي تأخذ شكل ورديات متباعدة تساعده على التمويه والاحتفاء وسط الصخور أثناء تعقبه لفرائسه من الوعول والأرانب والطيور.
تاريخ ضارب في القِدَم: 500 ألف عام من الوجود
تؤكد الدراسات العلمية أن النمر العربي ليس غريباً عن هذه الأرض؛ فقد استوطن شبه الجزيرة العربية ومصر منذ أكثر من 500 ألف عام قادماً من أفريقيا. هذا الوجود التاريخي وثقته النقوش الصخرية في “محمية شرعان الطبيعية” بالعلا، والتي تعود لأكثر من 10 آلاف سنة، حيث تظهر صور النمر وهو يطارد الوعول أو يواجه الصيادين القدامى. وفي العصر الحديث، ظل النمر رمزاً للقوة والشجاعة في الثقافة العربية، حتى أن لقب “نمر” لا يزال يُطلق على الرجل القوي والشجاع تكريماً لهذا الحيوان المهيب.
واقع صادم: 200 نمر فقط يصارعون من أجل البقاء
رغم هذا التاريخ العريق، يواجه النمر العربي اليوم تصنيفاً مرعباً في “القائمة الحمراء” للاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، حيث يُعتبر مهدداً بالانقراض بدرجة حرجة. وتشير أحدث البيانات الصادرة في عام 2024 إلى أن عدد النمور المتبقية في البرية لا يتجاوز 200 نمر فقط، موزعة في مناطق محدودة جداً بين السعودية وسلطنة عمان واليمن. ويعود هذا التراجع الحاد إلى فقدان الموائل الطبيعية، والصيد الجائر، وتقلص أعداد الفرائس، مما دفع النمر أحياناً للاقتراب من المناطق السكنية والوقوع في صراعات مميتة مع الإنسان.
السعودية تقود قاطرة الإنقاذ: مركز العلا وإنجازات “ورد”
تتصدر المملكة العربية السعودية الجهود الإقليمية لحماية هذا الإرث الطبيعي ضمن “رؤية المملكة 2030”. فمنذ عام 2019، أطلق ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مشروع محمية طبيعية متخصصة، وتبعه تأسيس الصندوق العالمي لحماية النمر العربي. وقد حقق مركز “إكثار النمر العربي بالعلا” نجاحاً باهراً، حيث تضاعف عدد النمور فيه من 14 إلى 32 نمراً خلال سنوات قليلة. وفي حدث تاريخي عام 2024، وُلدت ثلاثة أشبال للنمرة “ورد”، في إنجاز علمي هو الثالث من نوعه عالمياً خلال العقود الثلاثة الماضية، مما يعزز الأمل في إعادة توطين هذه الكائنات في البرية مستقبلاً.
جهود إقليمية متضافرة ومستقبل محفوف بالتحديات
لا تقتصر جهود الحماية على السعودية؛ ففي سلطنة عمان، تولي السلطات اهتماماً كبيراً بمراقبة النمور في جبال ظفار وتعويض المتضررين من هجماته لتقليل الصراع بينه وبين السكان. وفي الإمارات، أطلق الشيخ سلطان بن محمد القاسمي مبادرة شاملة للحفاظ على موائل النمر وفرائسه. أما في اليمن، فرغم اعتماده رمزاً وطنياً، إلا أن الظروف السياسية والأمنية جعلت جهود حمايته تواجه تحديات جسيمة، وسط تقارير مقلقة عن عمليات صيد غير قانونية في بعض المحافظات.
إن تخصيص يوم عالمي للنمر العربي هو رسالة تذكير بأن الحفاظ على التنوع البيولوجي ليس ترفاً، بل هو مسؤولية أخلاقية وتاريخية. فبقاء هذا الكائن الجميل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة المجتمعات المعاصرة على إصلاح علاقتها بالطبيعة وحماية ما تبقى من كنوزها للأجيال القادمة.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً