حكم تاريخي يربك حسابات وزارة الداخلية البريطانية
في تطور قضائي بارز، أصدرت المحكمة العليا البريطانية حكماً تاريخياً يقضي بعدم قانونية القرار الحكومي القاضي بحظر منظمة “العمل من أجل فلسطين”، المعروفة دولياً باسم “فلسطين آكشن” (Palestine Action)، بموجب قوانين مكافحة الإرهاب. واعتبرت المحكمة أن تصنيف المنظمة ككيان إرهابي يفتقر إلى التناسب القانوني، مما يشكل ضربة قوية للسياسات الأمنية التي انتهجتها وزارة الداخلية مؤخراً.
وعلى الرغم من هذا الانتصار القانوني للمنظمة، أوضحت المحكمة أن الحظر لا يزال سارياً من الناحية الفنية في الوقت الراهن، بانتظار جلسة استماع إضافية ستُعقد في فبراير/ شباط المقبل لتحديد الخطوات القانونية التالية، وبحث طلب الحكومة للاستئناف.
حيثيات الحكم: التمييز بين الجريمة والإرهاب
قالت القاضية فيكتوريا شارب، خلال تلاوتها للحكم المفصل المكون من 46 صفحة، إن المحكمة خلصت إلى أن قرار الحظر كان إجراءً “غير متناسب”. وأشارت الهيئة القضائية المكونة من ثلاثة قضاة بارزين إلى أنه على الرغم من تورط المنظمة في أنشطة وصفتها بـ “الإجرامية” للترويج لأهدافها، إلا أن هذه الأنشطة لم تبلغ العتبة القانونية المطلوبة لتصنيفها كإرهاب.
وأوضحت القاضية شارب أن عدداً ضئيلاً جداً من ممارسات المنظمة يتقاطع مع تعريف المادة 1 من قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000. وأكدت أن القانون الجنائي العام يظل هو الأداة الأنسب للتعامل مع أي مخالفات، بدلاً من اللجوء إلى قوانين مكافحة الإرهاب الاستثنائية، مشيرة إلى أن نطاق واستمرارية أنشطة المنظمة لم تبرر إجراء الحظر الشامل.
تحدي حكومي وموقف وزيرة الداخلية
من جانبها، سارعت وزيرة الداخلية البريطانية، شبانة محمود، للتعبير عن خيبة أملها تجاه هذا الحكم، مؤكدة عزم الحكومة على استئنافه. وقالت محمود في تصريح صحفي: “أعارض بشدة فكرة أن حظر هذه المنظمة إجراء غير متناسب. لقد جاء قرارنا بناءً على عملية تدقيق دقيقة للأدلة وبموافقة البرلمان”.
وشددت الوزيرة على أن الحكومة ترى في أنشطة المنظمة تهديداً يستوجب الحظر، خاصة وأن القانون الحالي يمنح الوزراء صلاحية حظر الجماعات التي تلحق أضراراً جسيمة بالممتلكات لتحقيق غايات أيديولوجية، وهو ما تراه الحكومة منطبقاً على حالة “فلسطين آكشن”.
ردود فعل المنظمة والقوى السياسية
في المقابل، وصفت هدى عموري، المؤسسة المشاركة لمنظمة “فلسطين آكشن”، الحكم بأنه “انتصار تاريخي للحريات الأساسية في بريطانيا وللنضال الفلسطيني”. واعتبرت أن محاولة تجريم المنظمة بموجب قوانين الإرهاب كانت بمثابة هجوم شرس على حرية التعبير وحق الاحتجاج السلمي.
وعلى الصعيد السياسي، رحب زعيم حزب الخضر، زاك بولانسكي، بقرار المحكمة، داعياً الحكومة إلى التوقف عن “تجريم المتظاهرين”. وكشف بولانسكي عن إحصائيات مثيرة للقلق، مشيراً إلى اعتقال أكثر من 2700 شخص منذ بدء سريان الحظر في يوليو/ تموز، وطالب بإسقاط التهم الموجهة لكل من اعتُقل لمجرد التعبير عن دعمه للقضية الفلسطينية أو للمنظمة.
خلفية الصراع القانوني وتداعياته
بدأت الأزمة القانونية في يوليو/ تموز 2025 عندما صوّتت الحكومة البريطانية على إدراج “فلسطين آكشن” ضمن قائمة المنظمات المحظورة، التي تضم 84 تنظيماً مثل القاعدة وفاغنر. جاء ذلك بعد سلسلة من الاحتجاجات الميدانية، كان أبرزها اقتحام قاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي، مما أدى إلى أضرار مادية قُدرت بـ 7 ملايين جنيه إسترليني.
الحكم الأخير للمحكمة العليا أشار أيضاً إلى أن وزيرة الداخلية السابقة، إيفيت كوبر، لم تراعِ بشكل كافٍ تأثير قرار الحظر على الحق في الاحتجاج، ولم تلتزم بالمعايير الصارمة التي تفرضها السياسات الحكومية ذاتها عند اختبار ضرورة الحظر. ويظل الوضع القانوني حالياً في حالة ترقب، حيث يُعد دعم المنظمة جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى 14 عاماً من السجن، بانتظار ما ستسفر عنه جلسات الاستماع في الشهر المقبل.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً