# باب الافتقار: السر الخفي للعبد الموفق والطريق الأقصر إلى الله
إن المتأمل في أحوال الخلق يجد أن الناس يتفاوتون في مراتب القرب من الله سبحانه وتعالى، ولكن يبقى هناك صنف من العباد قد اختصهم الله برحمة واسعة، وفتح لهم أبواباً من الفهم لم يفتحها لغيرهم. إن أعظم ضروب التوفيق التي قد ينالها الإنسان في رحلته الدنيوية ليست في كثرة المال، ولا في علو المنصب، ولا حتى في مجرد الإتيان بصور العبادات الظاهرة؛ بل إن أعظم التوفيق هو أن يوفقك الله عز وجل إلى باب الافتقار، ذلك الباب الذي إذا دخله العبد وجد فيه من الأنس والسكينة والفتح ما لا يمكن وصفه بالكلمات.
ما هو الافتقار إلى الله؟
الافتقار في جوهره هو شعور القلب الدائم بالحاجة المطلقة إلى الله سبحانه وتعالى في كل نبضة، وفي كل طرفة عين. هو أن يبرأ العبد من حوله وقوته، ويشهد بقلبه ويقينه أنه لا قيام له، ولا فلاح، ولا هداية، ولا رزق إلا بالله. هذا المقام هو لب العبودية وخلاصتها، وهو الذي يميز العبد الموفق الذي أبصر حقيقة نفسه وحقيقة ربه.
يقول الإمام السعدي -رحمه الله- في تفسيره (687) واصفاً هذا الصنف من العباد:
> “الموفق منهم ـ أي من العباد ـ الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه”.
إن هذا الوصف من الشيخ السعدي يرسم لنا خارطة طريق واضحة؛ فالافتقار ليس حالة عارضة تأتي عند المصائب فقط، بل هو استصحاب دائم لمعنى الحاجة في “صغير الأمور وكبيرها”.
الافتقار: أقصر طريق للوصول
لطالما بحث السالكون عن أقصر الطرق التي توصلهم إلى مرضاة الله، وتجعلهم في زمرة المقربين. وقد أجمع العارفون بالله أن الافتقار هو ذلك الطريق المختصر. فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (108/10) عن الزاهد سهل التستري قوله:
> “ليس بين العبد وبين ربه طريق أقرب إليه من الافتقار”.
لماذا كان الافتقار هو الأقرب؟ لأن كل طريق آخر قد يدخله العجب، أو الرياء، أو رؤية النفس. أما الافتقار، فهو انكسار القلب بين يدي الرب، وهو تجريد التوحيد من شوائب الدعاوى العريضة. إن العبد عندما يقف بباب الله مفلساً من رؤية عمله، معترفاً بتقصيره، طالباً للمدد، فإنه حينها يكون في أقرب حالاته من استنزال الرحمات الإلهية.
حقيقة الفقر والاضطرار في كلام ابن تيمية
يوضح شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مجموع الفتاوى (56/1) تلازم الافتقار مع ركني العبودية: العبادة والاستعانة. فلا يمكن للعبد أن يعبد الله حق العبادة إلا إذا استعان به، ولا يمكنه الاستعانة به حقاً إلا إذا شهد فقره إليه.
يقول ابن تيمية:
> “وَالْعَبْد مُفْتقِر دَائمًا إلَى التوَكُّلِ على اللَّه وَالِاسْتعَانَة بِهِ كَما هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى عِبَادتِه؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهد دَائِمًا فَقْرَهُ إلَى اللَّهِ وَحَاجَتَه فِي أَنْ يَكُون مَعْبُودًا لَهُ وَأَنْ يَكُونَ مُعِينًا لَهُ؛ فَلَا حَوْل وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ وَلَا مَلجَأَ مِنْ اللَّهِ إلَّا إلَيْهِ”.
هذا الكلام التأصيلي يبين لنا أن الافتقار هو المحرك للتوكل. فمن لم يشهد فقره، اعتمد على ذكائه، أو ماله، أو قوته البدنية، فخُذل. أما من شهد فقره، فقد لجأ إلى الركن الشديد، فكان الله له عوناً ونصيراً.
باب الذل والافتقار: الباب الذي لا زحام فيه
من ألطف وأجمل ما نُقل في هذا المقام، ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه الفذ “مدارج السالكين” (51/2)، حيث نقل تجربة روحية عميقة لأحد العارفين تصف حال الأبواب الموصلة إلى الله. يقول هذا العارف:
> “دخلت على الله من أبواب الطّاعات كلِّها، فما دخلت من بابٍ إلّا رأيت عليه الزِّحام فلم أتمكَّن من الدُّخول، حتّى جئت باب الذُّلِّ والافتقار، فإذا هو أقرب بابٍ إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوِّق، فما هو إلَّا أن وضعتُ قدمي في عَتَبته فإذا هو قد أخذ بيدي وأدخلني عليه”.
تأمل في هذا الوصف البديع! أبواب الصلاة، والصيام، والصدقة، والجهاد، كلها أبواب عظيمة، لكن النفوس قد تجد فيها حظاً لنفسها، وقد يداخلها الكبر برؤية كثرة العمل. أما باب الذل والافتقار، فهو باب المنكسرة قلوبهم، باب الذين لا يرون لأنفسهم مقاماً ولا فضلاً، ولذلك تجد الزحام فيه قليلاً، لأن النفوس بطبعها تميل إلى العلو لا إلى التواضع والافتقار.
ثمرات الافتقار في حياة المسلم
عندما يتغلغل معنى الافتقار في قلب العبد، تظهر آثار ذلك في سلوكه وحياته اليومية، ومن أبرز هذه الثمرات:
1. الإعانة التامة من الله: كما ذكر السعدي، فإن استصحاب الفقر هو أحرى الأسباب لجلب المعونة الإلهية.
2. راحة البال والسكينة: العبد المفتقر لا يحمل همّ النتائج كما يحملها المعتمد على نفسه، لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله.
3. دوام الدعاء والذكر: الافتقار هو الوقود الذي يجعل اللسان رطباً بذكر الله وسؤاله، فالفقير لا ينفك عن طلب الغني.
4. التواضع للخلق: من ذلّ لله وافتقر إليه، استحال عليه أن يتكبر على عباد الله، لأنه يرى أن كل فضل فيه هو محض منّة من الله.
5. القوة والصلابة: قد يبدو الافتقار ضعفاً في الظاهر، ولكنه في الحقيقة مصدر القوة العظمى؛ فمن افتقر إلى الله أغناه الله عن كل ما سواه.
كيف نربي أنفسنا على هذا الأصل العظيم؟
إن الانتقال من مجرد المعرفة النظرية بالافتقار إلى التحقق به مقاماً وحالاً يتطلب مجاهدة ونظر:
- أولاً: النظر في عظمة الله وعجز النفس: كلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، وعظمة ملكه، وازداد معرفة بعيوب نفسه وضعفها، تأصل في قلبه معنى الافتقار.
- ثانياً: استحضار الحاجة في الدقائق: لا تجعل استعانتك بالله مقصورة على الأمور المصيرية، بل تعلم أن تفتقر إليه في تدبير وجبة طعامك، وفي توفيقك لقول كلمة طيبة، وفي هدايتك لخطوة واحدة في الطريق.
- ثالثاً: مراجعة الدوافع: اسأل نفسك دائماً: هل أنا معتمد على خطتي وتدبيري أم على تيسير الله؟
- رابعاً: الدعاء بالافتقار: كما ختم الكاتب طلال الحسان نصيحته، علينا أن نسأل الله أن يفتح علينا في هذا الباب.
خاتمة وتذكرة
إن الافتقار إلى الله هو لب العبودية، وهو التاج الذي يتزين به العبد الموفق. إنه الطريق الذي سلكه الأنبياء والصالحون، وهو الباب الذي لا يُرد طارقه. فمن أراد الوصول، ومن أراد الفتح، ومن أراد أن يكون من أفقر خلق الله إليه سبحانه، وأغناهم به، فعليه بلزوم عتبة الافتقار.
نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يعيننا على أنفسنا، وأن يبصّرنا بمعاني الفقر إليه، ويجعلنا ممن يشهدون حاجتهم إليه في كل نفس، وأن يفتح لنا أبواب فضله، ويجعلنا من أفقر خلقه إليه، وأغناهم به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
_________________________
إعداد وتحرير: خبير المحتوى الإسلامي
*مستوحى من مقال الكاتب: طلال الحسان*

اترك تعليقاً